صحة

تقنية الفحص الوراثي للأجنة… الانجاب المستحيل صار ممكنا!

عائلة بلا طفل كما زهرة بلا رحيق وحياة بلا لون ومستقبل بلا أحلام! لكن ماذا لو قدرت السماء ألا يُنجب الزوجان أو أن ينجبا طفلاً عليلاً؟ لو طرح هذا السؤال أيام زمان لأتى الجواب حاسماً: قسمة ونصيب! فهل عدم الإنجاب هو حقاً قدر محسوم مبتوت نهائي؟ وماذا عن كل التجارب التي تجري في المختبرات لئلا تُحرم امرأة من سماع كلمة ماما؟ وهل شطبت حقاً كلمة مستحيل من قاموس الانجاب؟

بثقة بالغة يحسم الاختصاصي في علاج العقم والأمراض النسائية والأنابيب الدكتور ويليام فقيه الجواب: الابتكارات كثيرة ونسبة النجاح الى إرتفاع والمستحيل، مهما كان، بات ممكناً! تكاد لا تغيب الإبتسامة عن وجه الطبيب اللبناني الذي يعيش بين ميشيغن ودبي. انه طبيب، في اختصار، متفائل جداً وهذه في حد ذاتها سمة ايجابية في قطاعه.

 اختيار جنس الجنين
آلاف أطفال الأنابيب ولدوا على يدي ويليام فقيه والإبتكار الجديد الذي حققه هو: تفادي نقل الأمراض الوراثية الى الأجنة واختيار جنس الجنين إذا أحب الوالدان هذا! فهل يمكن لعائلة أنجبت أربعة صبيان أن تقول: أريد هذه المرة فتاة؟ وهل في إمكان من تحلم بفتاة أن توصي عليها؟ وهل بإمكان الزوجين اللذين يعانيان منالتلاسيميا مثلاً ان لا يخافا من الانجاب؟
ليس سهلاً طبعاً على اثنين ينويان الإرتباط أن يعيرا أذناً الى طبيب ينصحهما بعدم الزواج خوفاً من شيء ما قد يحصل وقد لا يحصل! لكنه، نذكر، قد يحصل! والحل؟ اختيار الجنين الأفضل ووضعه في رحم الأم! كيف هذا؟ ماذا يعني هذا؟ يجيب فقيه: نأخذ الأجنة، عشرة أجنة عادة من كل إمرأة، ونراقبها في الأيام الخمسة الأولى، عبر التصوير الدائم، لكل مراحل النمو، ثم نجري الفحوصات على خلية من كل جنين ما يُحدد لنا جنسه والمرض الوراثي الذي سيحمله في المستقبل، فنستبعد الأجنة المريضة وننقل أفضل جنينين أو ثلاثة من الجنس
المطلوب الى رحم الأم قبل مرور خمسة أيام من التكوين كحد أقصى لتتمكن من أن «تُعشش» وتنمو وتعيش. أما الأجنة السليمة الأخرى فيُصار الى تجميدها لزرعها حين يُقرر الزوجان الإنجاب من جديد.
سؤال لا بد أن يخطر، في هكذا حالات، في البال: هل يجوز أن يختار الإنسان جنس جنينه؟ هل يجوز أن يتحكم الطبيب بالجنين الذي ستكتب له الحياة؟
يستند مبتكرو هذه التقنية الى أن القانون الشرعي والأخلاقي وحتى الديني يحث البشر على الوقاية من الأمراض وتجنب ولادة طفل مشوه خلقياً أو مصاب بمرض وراثي مستديم. وهذا يعني أن كل شخص يعرف أن في عائلته مرضاً وراثياً من نوع التلاسيميا، الناتج غالباً عن زواج الأقارب، أو فقر الدم المنجلي او ضمور العضلات الشوكي، أن يستفيد من الفحص الوراثي
للأجنة ما قبل الزرع، وتُنصح كل إمرأة تجاوزت سن الخامسة والثلاثين وتنوي الإنجاب بالخضوع الى هذا الفحص للتأكد من أن جنينها الذي سينمو في رحمها لن يكون مصاباً بخلل في الكروموزومات. وهكذا تكون العائلة قد نجت بأطفالها من براثن الجينات الوراثية المرضية بنجاح يلامس مئة في المئة. أما، بالنسبة الى جنس الجنين، فلم يصدر دينياً ما يتعارض مع هذا شرط ألا يتدخل الأطباء في تغيير السمات الخارجية، كلون البشرة أو العينين ونعومة الشعر.

  العمر الأنسب
المسألة تتطلب إذاً، في قرار الإنجاب، ثقافةً ووعياً. والسؤال: هل باتت المرأة
قادرة على أن تحمل في أي سن؟
المرأة الأكبر التي تأكد حملها وأنجبت كانت في افريقيا بعمر 63 سنة، لكن هذا لا يعني طبعاً أن
تنتظر المرأة حتى الستين لتفكر في الإنجاب، فالعمر الأنسب، الذي ينصح به فقيه، هو قبل الخامسة والثلاثين، أما بعد هذه السن فتقل الحظوظ الطبيعية وتكثر عوامل الخلل ويُصبح لا بد، في أحيان كثيرة، من التدخل الطبي الجذري. في كل حال، ثمة خطأ شائع مفاده أن الرجل يظل قادراً على الإنجاب، طبيعياً، كل حياته، وهذا طبعاً غير صحيح لأن بذرة الرجل أيضاً تضعف وتُصبح بحاجة الى تدخل طبي.
  يتطلب حدوث الحمل الطبيعي: إباضة وقنوات فالوب سليمة وحيوانات منوية سليمة ورحماً وعنق رحم سليمين. أما في حال حصل عطل في مكان ما فقد يكون طفل الأنبوب وسيلة.
ماذا يُقصد بطفل الأنبوب؟
تحدث الإباضة عادةً في منتصف الدورة الشهرية فتتحرر البويضة وتدخل قناة فالوب، وإثر حدوث الجماع
تصعد الحيوانات المنوية الى الرحم ثم الى قناة فالوب فيُلقح الحيوان المنوي البويضة في القناة فتبدأ بالإنقسام والتقدم من القناة بإتجاه الرحم، وينزل الجنين بعد أربعة أو خمسة أيام الى الرحم ويبقى فيه مدة 36 ساعة ثم يبدأ بالتعشيش وإفراز هورمون الحمل. هذا ما يحصل إذاً في الحالات الطبيعية.
والسؤال: متى نلجأ الى طفل الأنبوب؟
يجيب اختصاصي علاج العقم: في حالات
انسداد قنوات فالوب أو تلفها وفي حال لم تكن الحيوانات المنوية سليمة، سواء لجهة العدد أو التركيبة أو الشكل، أو في حالات العقم المجهولة السبب، وتُرد أحياناً الى الاضطرابات الهورمونية التي تتسبب بها البدانة أو تكيّس المبيضين.
  ما هي إمكانيات الحمل بأنبوب واحد؟
إذا كان الأنبوب طبيعياً سليماً فإن احتمال الحمل هو نفسه كما لو كان هناك أنبوبان أو قناتا فالوب.

الانتظار!
قبل اللجوء الى طفل الأنبوب، وفي حال لم يكن ضرورياً استخدام تقنية الكشف المبكر على الأجنة، كم يُفترض الانتظار ليحصل الحمل في شكل طبيعي؟ سنة؟ سنتين؟ أكثر…؟
يُفترض أن يحصل الحمل الطبيعي خلال سنة أو سنتين بعد الزواج لكن يمكن إجراء فحوصات قبل مرور كل هذا الوقت للتأكد من أن لا علة في الأساسيات التي يُبنى عليها عادةً الحمل. في كل حال يُفترض أن يتذكر كلا الزوجين، الرجل والمرأة، أن نمط الحياة الحديث والتعرض للملوثات الكيميائية المتفشية في عالمنا قد يجعلان الحمل أصعب بكثير من قبل. وهنا، في هذا الإطار، يُفترض عند البحث عن مشكلة عدم الإنجاب التعامل مع الزوجين ككائن واحد لا اثنين، وبالتالي يكون الطرف الآخر منضوياً تماماً في ما قد يوصف علاجاً للطرف الأول، لأن عملية الحمل الناجحة تحتاج الى اثنين لا الى واحد.

امراض زواج القربى
نعود الى الأمراض الوراثية التي قد تنتقل من الأبوين الى فلذات الكبد، وتستوجب تقنية تشخيص الأجنة ما قبل الحمل، لنشير الى أننا نعيش في عالم عربي ما زال بعضه يثق بأهمية زواج القربى غافلاً، أو متغافلاً، أن هناك أكثر من عشرين مرضاً سببها هكذا ارتباط! والخطر الكامن هنا يتأتى عن انتقال صفتين وراثيتين متنحيتين أي حاملتين للمرض من كلا الأبوين، اللذين من دم واحد، الى بعض الأولاد فيتسبب ذلك بأمراض تنتقل غالباً عند زواج الأقارب وبينها: التخلف العقلي ومرض البهاق الذي يسبب ابيضاضاً في الجلد والتلاسيميا التي توصف بفقر دم البحر الأبيض المتوسط وفشل الكبد، كما أن هناك أمراضاً يمكن أن تتضاعف احتمالات توارثها عند زواج الأقارب مثل مرض الصرع والأمراض القلبية والحساسية وداء السكري.
الطب يتطور والعقم يواجه بحلول كثيرة لكن يبقى الطب، مهما تطور، يُحبذ إنجاب المرأة قبل سن الخامسة والثلاثين والرجل قبل أن يصبح على عكازٍ. هذا طبعاً في المبدأ، ويبقى نجاح أي تقنية في المضمون رهناً بأمرين: شطارة الطبيب واستجابة المريض.
هو وهي ماتا وقاما ليُنجبا طفلاً، والله استجاب لهما بطفلين بدل واحد، واحد أتى سليماً والثاني رأى النور بخلل في الكروموزومات! هي فوق الأربعين وهو في الأربعين ولم يسمعا يوماً بتقنية الفحص الوراثي للأجنة… واليوم، بعدما سمعا نظرا في عيني صغيرهما وقالا: ظفرك في كل الدنيا لكن لو عادت بنا عقارب الساعة خمسة أعوام الى الوراء فلربما كنا نجيناك من حكم هذه الدنيا الظالم على من يولدون بحاجة خاصة ما!.

نوال نصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق