اليمن: قلعة «القاعدة» الجديدة

انتهى شهر الصيام والرحمة، والعطاء، والتوبة، في العالم الإسلامي. ولكن صفحات الجرائد الأولى، توجتها اخبار الانذار الارهابي، الذي اطلقته القاعدة، التي تبدو، منذ 11 ايلول (سبتمبر) 2001، ليست العدو الأكثر شراسة للغرب فقط، وانما كذلك للمسلمين انفسهم، الذين يشكلون 85 في المئة من ضحايا المنظمة الارهابية التي اسسها اسامة بن لادن، ويقودها اليوم، اسمياً على الأقل، الطبيب المصري ايمن الظواهري.
إننا امام صراعين، تخوضهما القاعدة: الأول في الغرب، والثاني داخل العالم الإسلامي ولكن اذا كانت القاعدة، لا تزال باقية، وتجنّد اتباعاً، وتنتشر فروعاً في منطقة شاسعة، تمتد من البحر الأبيض المتوسط الى آسيا الوسطى مروراً بأفريقيا وشبه الجزيرة العربية، فلأن مسألة الارهاب القاعدي، أكثر تعقيداً من مجرد عملية مخابرات وغارات طائرات من دون طيار، وحتى حروب مدمرة، مثل التي شهدها العراق وافغانستان لأننا تجاه حربين واحدة ضد الغرب، وواحدة داخل العالم الاسلامي.
نتيجة الحروب ضد الارهاب، مثيرة. فمن افغانستان، التي ينسحب منها الغرب في السنة المقبلة. انتقلت القاعدة الى سائر الشرق الاوسط وشمال افريقيا، واذا كانت عملية قتل بن لادن في باكستان حدثاً مثيراً فانها لم تكن حاسمة بالنسبة الى مصير القاعدة، وربما قليلة التأثير. كما كان احتلال كابول، عديم الفائدة تقريباً، اذا كان الغرب سيتخلى عنها قريباً للطالبان.
حرب العراق
وكانت حرب العراق اسوأ، لأن الحرب على صدام، غير المبررة جلبت الى العراق القاعدة وسائر التنظيمات الجهادية، التي لم تأت اليه قبل ذلك. ولكنهم اشعلوا الصراع بين السنة والشيعة، وتمددوا الان الى سوريا. بينما يبقى اليمن المسرح المفضل. بالرغم من الشكوك الكبيرة التي تحوط بالإنذار الاخير الذي اقام السفارات الاميركية ولم يقعدها، لأنه من غير المعقول، ان يخطط قاعديون بتجربة الظواهري والوحيشي بتبادل التوجيهات عبر وسائط يعلمان انها مراقبة ولا اذا كان القصد هو ان يلتقطها العدو. والأفضل ان يتم الاتصال عبر مخبرين وعملاء، كالذين قادوا الى مخبأ بن لادن في باكستان، او يتولون زرع شرائح لاسلكية في سيارات المرغوب في ان تصيبهم الطائرات من دون طيار، اضافة الى التشكيك في روايات ابتكار انظمة تفجيرية تزرع في جسم الانتحاريين.
يبقى ان مسرح اليمن منكشف امام القاعدة الخليجية، فقائدها العسكري ناصر الوحيشي اصبح الرقم 2 في منظومة الظواهري، في مواجهة حكومة يمنية ضعيفة يتولى المواجهة في بلاد موزعة بين قبائل متناحرة، بقيادة جيل جديد من قادة نشأوا في ظل القيادات الطالبانية القديمة، لكنهم يملكون الكفاءة اللازمة للتعلم من الأخطاء وتطبيع الجهادية مع شروط اوضاع اليمن، مما يشكل المفاتيح التي تفسر كيف تحولت القاعدة في الخليج الى الخلية القاعدية الأكثر صموداً والأفضل تنظيماً في الحركة المعولمة. ويشرح كريستوفر سويفت السبب «لأنها عمدت الى اقلمة جناحها بدلاً من التوسع الى العولمة».
وعلى شكل ما تعلم قادتها في افغانستان عمدوا في اليمن الى اختراق القبائل اليمنية شيئاً فشيئاً، واقاموا شبكات من التحالف والارتباط مع السكان وحاكوا روابط وفاء للقاعدة. فأدت هذه التبعية الى تسهيل عمليات التجنيد والحصول على دعم.
العدو رقم واحد
ووجد الوحيشي الوقت الضروري منذ هربه من احد السجون اليمينة في سنة 2006، ليلاحظ كيف تفككت قيادة القاعدة في باكستان وافغانستان، تحت ضربات الطائرات من دون طيار. وكيف انهارت الخلايا العراقية. وراح سكرتير اوباما السابق يضغط اكثر فأكثر من اجل اقلمة الجهاد بدلاً من توسيعه الى الخارج وعولمته. فأصبح الوحيشي العدو رقم واحد بالنسبة الى مكافحة القاعدة.
وفي الأسبوع الماضي شنت طائرة اميركية من دون طيار الغارة التاسعة – خلال اسبوعين – على مقاطعة لحج، فحددت الاطار الحقيقي لحرب سرية تشنها الحكومة الاميركية على قواعد القاعدة في اليمن، وعلى مقاتليها. وتقول مصادر حكومة صنعاء، ان الحملة الاخيرة، التي تلقي الضوء على اسباب الطوارئ التي اعلنتها الولايات المتحدة، ادت الى مقتل 38 مقاتلاً من القاعدة معظمهم من الجنسيتين اليمنية والسعودية.
وكانت الحملة الاخيرة، بدأت مع الطوارئ الارهابية، التي قادت الولايات المتحدة، ودول اوروبية اخرى الى اغلاق 22 بعثة ديبلوماسية في الشرق الأوسط، وافريقيا الشمالية، التي اعادت تشغيلها، بإستثناء صنعاء وقنصلية لاهور.
وبالرغم من ان واشنطن لم تعترف بهذه الحرب رسمياً، فإن الرئيس اوباما اشار في مؤتمر صحافي الى ان الهدف الاهم يبقى الوحيشي، الملقب بابي بصير، ومن اجل اجراء جردة للعملية الدائرة، التقى في صنعاء وزير الدفاع اليمني، الجنرال محمد ناصر احمد مع نائبة السفير الاميركي في صنعاء كارن ساساهارا مع عدد من الخبراء في الشؤون الامنية.
ولكن لا بد من ان تقاس النتائج العسكرية، بالاحتجاجات التي بدأت تتحرّك في صفوف السكان المدنيين في مواجهة الانفجارات الضخمة التي تهز اليمن، والتواجد العسكري الاميركي الظاهر، على الارض اليمنية. وكان ظهر ذلك جلياً، في بداية الاسبوع الماضي، عندما طارت طائرة تجسس اميركية من طراز ب 30 اوريون على مدى عشر ساعات فوق العاصمة فشاهدها الناس، بوضوح، واوقف بعضهم سياراتهم في وسط الطريق احتجاجاً.
عناصر القاعدة
والصعوبة الكبرى التي اشرنا اليها، التي تواجهها عملية مكافحة الارهاب، هي في طبيعة القاعدة في اليمن، التي تتميز بان في صفوفها جهاديين ينتمون الى القبائل والقرى، المنتشرة في عمق البلاد، مما يجعل التمييز بين القاعديين وابناء الشعب امراً في غاية الصعوبة.
وقد يكون الوحيشي مختبئاً في احدى المناطق القبلية. عناصرها اصبحوا اصغر سناً، ولم يعد قلبها الجغرافي في افغانستان وباكستان وتحول الى العالم العربي السني. وتفتتت المنظومة خلايا «تستمر في تبنّي ايديولوجية جهاد عالمي، انما تتناسب مع اهداف سياسية محلية، كما في العراق وسوريا واليمن».
مع الاشارة الى ان القاعدة في شبه الجزيرة العربية، تشكل خلية صلبة، تستوحي نموذج الطالبان، تقتفي استراتيجيتها، بالقيام بحرب استنزاف بطيئة ترمي الى زعزعة استقرار الحكومة المركزية في صنعاء. وفي اليمن، تضاعف عدد المنضوين تحت لواء القاعدة الخليجية، ثلاث مرات فأضحى يتراوح بين 2000 و 3000 عنصر، يستهوونهم بفضل اجور شهرية تتراوح بين 300 و400 دولار، في حين لا يتقاضى اليمني من عمله العادي اكثر من 60 دولاراً كحد وسطي، اضافة الى ان اعتماد الحلول، عن طريق الطائرات من دون طيار، اكثر صعوبة في اليمن، مما هو عليه في باكستان، لسهولة اندماج القاعديين اليمنيين بين الناس واختفائهم داخل التجمعات السكنية والقبلية.
والقاعدة في تشكيلها الحالي في حاجة الى ان تثبت انها ما تزال شبكة موحدة. وهذا ما استطاع تحقيقه الاتصال بين الظواهري والوحيشي اللذين كانا يعلمان حق المعرفة ان المخابرة ستلتقط فان سنة مرت تقريباً على الاعتداء على القنصلية الاميركية في بنغازي واصبحت القاعدة في حاجة الى عملية صارخة، تواصل تغذية روايات الشبكة خصوصاً بعد الزيارة التي قام بها الرئيس اليمني، في الأسبوع الماضي، وبعد الحوار الوطني المستمر منذ «الربيع» اليمني في اليمن، وانتهاء شهر رمضان فبدا الافق مؤاتياً لتلميع صورة القاعدة في العالم.
حالة طوارىء
وترافقت حالة الطوراىء الشاملة مع تزايد الغارات التي تشنها الطائرات الاميركية من دون طيار على المناطق اليمنية التي يتحصن فيها رجال القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وبلغ عددها منذ 27 تموز (يوليو) سبع غارات قالت ارقام «نيو اميركا فاندايشن» انها اوقعت 37 شخصاً، بحيث بلغ عدد الغارات من هذا النوع التي شنتها القوات الاميركية 12 هجوماً منذ بداية السنة و77 منذ سنة 2010.
ورفض الرئيس الاميركي التعليق على «هذه العمليات»، في المؤتمر الصحافي الذي نظمه في مناسبة اغلاق ابواب 19 سفارة اميركية في انحاء العالم وافراغ السفارة الاميركية في صنعاء.
ويشكل الامن في هذه الدولة العربية اولوية بالنسبة الى الولايات المتحدة حيث تحصن الجناح، الذي يعتبر الأكثر خطورة بين التمددات القاعدية. وتحولت في المقابل الغارات بطائرات من دون طيار الى الطريقة الأكثر فعالية والأكثر خطورة ضد القاعدة التي تشكل التهديد الأكثر خطورة لليمن. وتتولى سي اي ايه قيادة العمليات المشتركة الخاصة في الولايات المتحدة تنفيذها بالتنسيق مع السلطات اليمنية والسعودية.
ولكن المشكلة في الضحايا الجانبية المدنية التي تسقط في هذه العمليات، فلم يكن مثلاً بين 37 شخصاً قتلوا في العملية الاخيرة أكثر من 5 ام 6 من الجهاديين. وكان البقية من المدنيين الابرياء، فكانت هذه الذيول حجة ليعلن ايمن الظواهري في 2 آب (اغسطس) الحالي انه سيهاجم مصالح اميركية انتقاماً لهؤلاء الضحايا.
وكانت تحركات شعبية بعد هذه الهجمات جعلت الأميركي يعلن في ايار (مايو) ان تعديلات ستدخل على سياسة استعمال طائرات من دون طيار، وابلغ جون كيري، وزير خارجية الولايات المتحدة، الرئيس الباكستاني الجديد، فواز شريف الاستعداد لوقف هذا النمط العسكري في باكستان. ويردف محللون ان استعمال الطائرات من دون طيار لم يشكل عائقاً امام تجنيد ناشطين جدد في صفوف القاعدة. ويقول كريستوفر سويفت: «الاستاذ المساعد لعلوم الامن القومي في جامعة جورجتاون: « ان اليمنيين ينظرون الى هذه العمليات بإشمئزاز باعتبار انها اعتداء على السيادة الوطنية. ولكن الشباب ينخرطون في الحركة لأسباب اجتماعية، فهم فقراء ولا يجدون فرص عمل تؤمنها لهم القاعدة التي تعمل على طريقة المافيات». ولكن الخبير في شؤون الامن القومي، في مركز «اميركان برغرس» يعتقد «ان القاعدة ستستمر تعتبر الغرب هدفاً مع ام من دون طائرات من دون طيار.
ج. ص