
ليس هناك اي شك في ان فندق كارلتون مدينة كان الفرنسية، كان يحتاج الى غير هذا النوع من الدعاية، للاحتفال بعيده المئوي، في شهر آب (اغسطس) الحالي. ولكن قطر التي اشترت الفندق في السنة الماضية، تقترح ورجل آخر يقرر.
في الساعة الحادية عشرة والنصف من ظهر يوم الاحد 28 تموز (يوليو)، دخل رجل مقنع ومسلح بمسدس اوتوماتيكي، وبقفازتين، بالرغم من حرارة الطقس الجهنمية، الى حيث كان يقوم معرض مجوهرات وأمر الحاضرين بتسليمه بعض حاوياتها. وانصرف، وبدأت حملة مطاردة في شارع «كروازيت» حيث يتنزه عادة نجوم مهرجان السينما. واشار مصدر قضائي الى ان كل شيء جرى في سرعة من دون حصول اي عنف.
هذه الحادثة ذكرتنا بالفيلم الذي اخرجه الفريد هيتشكوك، في الفندق اياه: «مطاردة لص» في سنة 1955. قيمة السرقة، قدرت بداية باربعين مليون دولار، ثم تبين ان قيمة المجوهرات المسروقة تزيد على 100 مليون دولار. ادارة الفندق رفضت الافصاح عن اصحاب المجوهرات، لكن مصادر قريبة من التحقيق، كشفت عن ان السرقة حصلت في معرض «المجوهرات الرائعة» الذي نظمته دار لوفييف، للمجوهرات، التي يملكها الملياردير الاسرائيلي الروسي الاصل ليف لوفييف.
تعتبر هذه السرقة الاضخم في تاريخ فرنسا، وتزاحم سرقة المجوهرات التي وقعت في مدينة انفرس البلجيكية، على لقب الاضخم في التاريخ.
معرض المجوهرات
وكانت دار لوفييف المشهورة بالمجوهرات المرصعة بالماس، استأجرت احدى صالات الكارلتون، لاقامة المعرض. ولكن السرقة حصلت، قبل ان يفتح المعرض ابوابه للزوار. فيكون رجل واحد قد استولى لوحده على 72 قطعة مجوهرات، 34 منها، من المستوى الرائع، قيمتها، حسب تقديرات قاضي التحقيق، في مدينة غراس، الذي تولى التحقيق في العملية، بـ 135 مليون دولار. واما قيمة بقية المجوهرات المسروقة، فتقدر بحوالي مليون وثلاثمئة الف دولار. ويوازي هذا الرقم، قيمة القطع الماسية، التي سرقها في انفرس في سنة 2003، شخصان، عندما استوليا في شباط (فبراير) من تلك السنة، على120 مستوعباً، من اصل 160 كانت في «مركز الماس»، اعتبرت اضخم عملية من نوعها، حينذاك.
وفي عملية ضخمة اخرى، سرق لصوص من محلات «هاري وينستون»، في شارع مونتاين، حجارة كريمة قيمتها 100 مليون دولار، ولكن الشرطة استعادت قسماً منها في السنة التالية.
تفصيل عملية فندق كارلتون: ان المنظمين لم يبلغوا الشرطة مسبقاً عن المعرض. ولكن يبدو ان هذه العادة متبعة، وليس التبليغ اجبارياً، بينما كان المعرض يعتمد على 3 ام 4 من رجال الامن الخاص، موزعين على الاماكن المؤدية الى المعرض. الذي كان من المفروض ان يدوم حتى 30 آب (اغسطس)، فأثار هذا الحادث، علامات استفهام، حول تعريض امن الفندق ونزلائه للخطر. وفي بلاغ، تستنكر فيه احدى نقابات موظفي الكارلتون «مضاعفة عدد معارض المنتوجات الثمينة وما تسببه من تعريض للامن». اشارة الى ان «ادارة الفندق تفضل الربح المالي، على سلامة الموظفين والنزلاء». وكان الفندق ذاته، تعرض الى عملية من هذا النوع، في سنة 1994، ادت الى جرح احد موظفي الامن.
عمليات سرقة ضخمة
وكما في فيلم هيتشكوك، شهدت منطقة الكوت دازور، في فرنسا تضاعفاً في عمليات السرقة، خلال الاشهر الاخيرة، قد تكون اشهرها، تلك التي وقعت خلال مهرجان كان السينمائي، عندما استولى لصوص على الصندوق الحديدي، في فندق نوفوتيل، مع ما كان يحتوي عليه من مجوهرات كانت تعيرها دار شوبار للمجوهرات لتتزين بها نجوم مهرجان السينما، قدرت قيمتها بمليون وثلاثمئة الف دولار. وبعد يوم، اعلنت محلات المجوهرات السويسرية، دو غريزونيو، عن سرقة قلادة من الماس، قيمتها مليونان ونصف المليون دولار، خلال سهرة في منتجع آنتيب، على الشاطىء اللازوردي.
وبالنسبة الى سرقة مجوهرات هاري وينستون، تؤكد الشرطة الفرنسية، انها تمكنت من استعادة 80 في المئة منها واعتقال 26 شخصاً على علاقة بهذه العملية.
كان لوفييف يقيم مع زوجته واولاده التسعة، في لندن، حيث اشترى اغلى بيت في العاصمة البريطانية (53 مليون يورو) في سنة 2008، وماسة زهرية اللون، وفي مزاد علني، مقابل 11 مليون دولار. وتقول شائعات ان هذه الماسة النادرة كانت بين المجوهرات المسروقة في عملية فندق الكارلتون.
سرقة ساعات ثمينة
وبعد ثلاثة ايام، كمّاً وعدّاً، سطا لصان مقنعان، على احد محلات بيع الساعات الثمينة على كروازيت مدينة كان، في جنوب شرق فرنسا، واستوليا على 150 ساعة يد ثمينة، توازي قيمتها حوالي مليون وثلاثمئة الف دولار اميركي. فاستغلا استراحة الغداء، ظـهر يوم الاربعاء 30 تموز (يوليو) للتسلل الى المحل، من المداخل الخلفية. وتقع محلات «كرونومتري» لبيع الساعات الثمينة، على مسافة 800 متر، تقريباً، من فندق كارلتون موقع سرقة الماسات التاريخية.
فازداد الكلام، حول «الضرب» الشهير الذي حققه اللصوص في اشهر فنادق مدينة مهرجان كان السينمائي، لان المراقبين يشددون على اهمية تفصيل قيام شخص واحد، بما عجز عنه الفرد هيتشكوك: «سارق بارع»، ربما كان احد اعضاء عصابة «الفهد الوردي» الشهيرة المؤلفة من عناصر من اوروبا الشرقية والمسؤولة عن مئات العمليات من هذا الطراز، وقعت في انحاء العالم المختلفة. وكشف المحققون عن ان اللص، تلاعب اولاً، بباب نافذة خلفي – في محل الساعات حسب طريقة طالما اعتمدتها جماعة عصابة «الفهد الوردي»، ثم فاجأ الاشخاص الذين كانوا يتولون نقل المجوهرات من الخزانة المصفحة الى الواجهات المصفحة.
ويتوقف المراقبون عند عناصر لافتة في عملية الكارلتون سهلت عمل اللصوص، اهمها:
1- عدم وجود جهاز حماية كاف، فرجال الامن الخاص، الذين جرى اعتمادهم، كانوا غير مسلحين، كما تقضي القوانين.
2- لم يجر تفتيش اي شخص، لانهم لم يكونوا مجازين لفعل ذلك.
3- المسـؤول عن فريق الامن في فندق كارلتون، كان، حتى بضعة اشهر خلت، عسكرياً سابقاً. ولكنهم وضعوا مكانه مسؤولاً جديداً، يهتم، كذلك، بشؤون اخرى.
4- شرطة مدينة كان، لم تكن على علم مسبق بمعرض المجوهرات.
كلها عناصر، سيكون لها وزنها في التحقيق وفي الصراع القانوني الذي لا بد ان يقوم مع شركات التأمين، التي ستعترض على النقص في مراقبة معرض في مثل هذه القيمة. واما «بطل» عملية السطو، فانه في لائحة الذين يتوجه اليهم الاتهام، في مثل هذه العمليات. وفي هذه الحالة، عصابة «الفهد الوردي» التي تنشط منذ زمن، على الشاطىء اللازوردي الفرنسي، في سرقة الاشياء الثمينة.
توافق ام مصادفة؟
وتوقف كثيرون، من العاملين في هذا المجال، عند التوافق – الذي يبقى كذلك في الوقت الحاضر – بين توقيت عملية الهرب المثيرة، التي قام بها من احد سجون سويسرا، احد «نجوم» الفهود، ميلان بوباريتش، وعملية السطو على محل الساعات في مدينة كان. ولكن ضيق الوقت بين العمليتين لا يسمح، بتأكيد مشاركة بوباريتش، اضافة الى ان العصابة مؤلفة من عشرات العناصر، من العسكريين السابقين المجربين، في القوقاز، الذين يستطيعون الاعتماد على دعم وملجأ، لدى المافيات الايطالية، الحليفة. وليس في استطاعة هذه العصابة، الدائمة النشاط، ان تكون رهينة براعة عنصر واحد من رجالها. تدل على ذلك، حوالي الثلاثمئة عملية المنسوبة الى «الفهود الورديين»، كلها عمليات «نظيفة» نفذوها في دقائق معدودة. تميزت كلها بدقة التنفيذ وقيمتها العالية، وعدم استعمال العنف.
عملية هرب بوباريتش البوسني، ابن الاربعة والثلاثين، مع سجين سويسري في الرابعة والخمسين من سجن اوروب، في سويسرا، جديرة بالافلام البوليسية السينمائية. فالرجلان خرجا من باب السجن الكبير، الذي قام بنسفه «مساعدان» من الخارج تعاونا مع السجينين الهاربين على تبادل اطلاق الرصاص مع رجال الامن الذين تولوا مطاردتهم ولم يسقط اي جريح.
ويتعاون اليوم على ملاحقة الهاربين 50 رجلاً متخصصين، بالتعاون مع حرس الحدود في الدول المجاورة. وفي سجل بوباريتش حكم بالسجن 6 سنوات و8 اشهر لقيامه بعملية سطو في مدينة نيو شاتل، في سويسرا، في سنة 2009.
ويتهمه الانتربول بتنفيذ عدد من العمليات الصارخة مع آخرين من «الفهود الورديين» الذين «استحقوا» هذا اللقب، بعد سرقة خاتم من الماس في بريطانيا، وجده احد رجال الشرطة، في انبوب من كريما التجميل، فتذكر المراقبون، مقطعاً من فيلم سينمائي، يحمل اسم «الفهد الوردي» وقام ببطولته، دايفيد نيفن وبيتر سيلرز.
ويعتبر الانتربول ان عصابة «الفهد الوردي» مكونة من حوالي 40 عنصراً. وانها تنشط منذ 1999 في عدد من دول اوروبا وآسيا والولايات المتحدة، وتمكنت من الاستيلاء على مجوهرات تزيد قيمتها الاجمالية على 435 مليون دولار.
باريس – جوزف صفير