رئيسيسياسة عربية

السلطة الفلسطينية تتصلب في تعاطيها مع كيري وتؤيد السلام بشروطها

خلال الاسبوع الماضي، جال وزير الخارجية الاميركية جون كيري على عدد من عواصم المنطقة حاملاً في جعبته همين اساسيين، وفق تصريحاته ووفق مصادر المسؤولين الذين التقاهم، هما قضيتا سوريا والعملية السلمية بين الفلسطينيين والاسرائيليين.

 الاول:  همّ داهم ومستعجل وله الاولية على ما عداه من قضايا وملفات متراكمة في منطقة الشرق الاوسط، وهو همّ الوضع السوري وتشعباته وتداعياته على دول الجوار، وبالتحديد على اسرائيل والاردن ولبنان، فضلاً عن امتداداته الى تركيا ودول الخليج التي تصدت طائعة لهذا الهم منذ اندلاع الاحداث على الساحة السورية قبل عامين وبضعة اشهر واحرقت اصابعها فيه.
الثاني: همّ التسوية الفلسطينية – الاسرائيلية. فلم يعد خافياً ان كيري كان زار عدداً من عواصم المنطقة منذ فترة ليست ببعيدة، وبالتحديد منذ نحو شهرين، وكانت جولته الاولى بعد توليه المنصب الديبلوماسي الاول في الادارة الاميركية.
واطلق كيري ابان تلك الجولة تصريحات ومواقف فحواها، ان ادارته عازمة فعلاً على الشروع في مهمة غايتها القصوى اعادة اطلاق العملية السلمية بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وبالتحديد على غرار الدور الذي تنكبته الادارة الاميركية في الولاية الرئاسية الاولى للرئيس الاميركي باراك اوباما.

اعتبارات اساسية
لكن اللافت ان الجانب الفلسطيني، وبالتحديد السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس، لم تسرع الى التهليل بالوعد الاميركي القديم – المتجدد على سابق عهدها، ولم تسارع الى عقد الرهانات على هذا التعهد من جانب واشنطن، وذلك لاعتبارات اساسية ابرزها:
– ان الجانب الفلسطيني الرسمي اكتوى من تجارب الرهان المتكررة على الوعود الاميركية التي لم تعط ثمارها المرجوة، وبالتالي كانت رهانات خائبة للسلطة الفلسطينية وموجعة للشعب الفلسطيني، خصوصاً وان كليهما عانيا وعايشا «تمرد» الحكومة الاسرائيلية الجلي على تعهدها لاوباما بتجميد الاستيطان، الامر الذي افضى في خاتمة المطاف الى انهيار مسيرة المفاوضات بين الجانبين التي كانت برعاية اللجنة الرباعية.
- ان المرارة الكبرى لدى الجانب الفلسطيني هي في اصطدام «النيات» الاميركية الحسنة بالتصلب الاسرائيلي، وضعف الادارة الاميركية في فرض ارادتها ورغبتها على تل ابيب، عندما يكون ذلك مطلباً اساسياً لدفع عملية التفاوض قدماً الى الامام.
والمفارقة انه بعد جولة كيري الاخيرة في المنطقة، ولقائه مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في رام الله، بادرت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حنان عشراوي الى اعادة تسليط الاضواء مجدداً على لب المشكلة و«مربط الفرس» في مسألة المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية والدور الاميركي في الموضوع، اذ قالت ان «لدى وزير الخارجية الاميركية نية حسنة لاعادة اطلاق عملية المفاوضات، وان الرئيس عباس مرتاح جداً في التعامل معه، لكن المشكلة تكمن في الجانب الاسرائيلي».
  واضافت عشراوي: السؤال الاكبر هو عن السياسة الاميركية فهل تظل اميركا تتبع سياسة التكيف مع السياسة الاسرائيلية، ام حان الوقت للعمل على الزامها (اي اسرائيل) بالقانون الدولي؟

معالم الصورة
وفي الواقع، فإن القيادة الفلسطينية المعروفة بأنها من صقور الدعاة الى التفاوض الدائم مع اسرائيل، ترسم باختصار صورة مكثفة للنتائج التي تنضح بالتشاؤم والتي آلت اليها زيارة رئيس الديبلوماسية الاميركية الى الضفة الغربية المحتلة، ومن معالم هذه الصورة:
– ان وزير الخارجية الاميركية لم يحقق بعد اي تقدم في اتصالاته مع الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، وهي الاتصالات الهادفة الى اعادة بعث الحياة في العملية التفاوضية السلمية.
– ان الجانب الفلسطيني لم يبد للضيف الاميركي اية بوادر او معالم تشير الى انه في موقع المتلهف والمنطلق في رهاناته الى اقصى الحدود كمساعي امكان حدوث خرق وشيك على جبهة اطلاق عملية المفاوضات.
< على خلاف ذلك كله، بدا الجانب الفلسطيني هذه المرة وخلافاً لكل المرات، اكثر تصلباً ووضوحاً في شروطه وتوجهاته. فعباس طلب من كيري الحصول اولاً على تعريف من الحكومة الاسرائيلية لحدود الدولة الفلسطينية اضافة الى تجميد الاستيطان داخل هذه الحدود.
– ابعد من ذلك كله، وربما كان انعكاساً لتوجه جديد حازم وجازم لدى القيادة الفلسطينية، ابلغ الجانب الفلسطيني من يعنيهم الامر بعد عودة كيري الى بلاده، انه لا يعتزم الجلوس مجدداً الى طاولة المفاوضات مع الجانب الاسرائيلي من دون الحصول على هذين الامرين، اي وقف عمليات الاستيطان وتعريف حدود الدولة الفلسطينية، لان المهم هو نهاية المفاوضات ونتائج عملية التفاوض وليس صورة المفاوضات بحد ذاتها.
- اذا كان الجانب الفلسطيني يقيم على اعتقاد فحواه ان كيري سيعمل على اغراء السلطة الفلسطينية بوعدها بحوافز اقتصادية ومالية كمادة لجذبها الى طاولة المفاوضات ومادة اخرى لكي يشعر الفلسطينيون والعرب عموماً ان الادارة الاميركية مهتمة بالشأن الفلسطيني وبمعاناة الشعب الفلسطيني من جراء استمرار الاحتلال الاسرائيلي وسياساته، فإن ضمن السلطة الفلسطينية ثمة من يؤكد ان ذلك لن يجعل السلطة الفلسطينية تسارع الى تقديم تنازلات لا في الشكل ولا في الجوهر على حد سواء، ولا تقبل بالتالي ان تساق مجدداً الى لعبة التفاوض من اجل التفاوض في رحلة عود على بدء، واجترار لتجارب مرة وخائبة.

جهود متواضعة
ومع ان كيري حدد سابقاً الاسبوع الاول من شهر حزيران (يونيو) الجاري موعداً لتقديم افكار من كلا الطرفين لتسهيل عملية اعادتهما الى طاولة التفاوض، فإن القيادة الفلسطينية في رام الله تبلغ الى من يعنيهم الامر ان توقعاتهم من جهود وزير الخارجية الاميركية متواضعة وان المطلوب اولاً وثانياً واخيراً هو ممارسة ضغوط جدية وحاسمة من الجانب الاميركي على اسرائيل بغية الذهاب مجدداً الى التفاوض لاعطاء الفلسطينيين ما من شأنه تيقن المعنيين بالدليل الحسي من ان واشنطن جادة في تعهداتها وان تل ابيب جادة في التزاماتها تجاه الشعب الفلسطيني.
ولا ريب في ان ثمة من يسأل عن هذا التشدد الفلسطيني في مطلع الولاية الثانية للرئيس الاميركي اوباما، وهل هي صحوة متأخرة ام انها برهان على بلوغ حالة اليأس وحال القنوط؟
ثمة بالطبع العديد من التفسيرات والتحليلات التي يعطيها الجانب الفلسطيني لتبرير هذا الاداء المتشدد في هذه المرحلة الحالية وابرزها:

تفسيرات وتحليلات
1- ان السلطة الفلسطينية لم تعد في وضع يسمح لها بالتلاعب بالوقت والرهان على عامل الزمن، فهي امام استحقاقات داهمة وتحديات جدية مع الشريحة الواسعة من الشعب الفلسطيني الذي عانى كثيراً من خيبات الوعود والتعهدات الاميركية والاسرائيلية على حد سواء منذ اتفاقات اوسلو في العام 1992 وحتى اليوم.
الى ذلك، فإن ثمة تحدياً حقيقياً للسلطة الفلسطينية من الداخل الفلسطيني لا سيما من جانب حركة «حماس» التي باتت تجد سنداً عربياً كبيراً بعد تداعيات وتطورات «الربيع العربي» وما افرزه من انظمة اسلامية وخصوصاً في مصر وتونس وليبيا ستأخذ على عاتقها رعاية حركة «حماس» واحتضانها كونها تتجانس واياها في المنطلقات العقائدية والفكرية.
فضلاً عن ذلك فإن الحركة الاسلامية ورغم ما لاقته من اخفاقات وما ارتكبته من اخطاء صارت رقماً اساسياً في الساحة الفلسطينية ولا يمكن تجاهل طموحاتها او اطماعها في ان تجلس ذات يوم محل منظمة التحرير الفلسطينية كحزب على رأس السلطة في فلسطين.
ولم يعد خافياً ان عملية المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية التي قطعت شوطاً لا بأس به برعاية النظام المصري الجديد، رغم ايجابياتها فإنها في نهاية المطاف، ستشكل تحدياً لا يمكن تجاهله بالنسبة الى حركة «فتح» العمود الفقري للسلطة الفلسطينية والتي تتربع سعيدة على رأس قيادة منظمة التحرير الفلسطينية منذ نحو اربعة عقود، لان «حماس» ان اكتملت فصول المصالحة المنتظرة خلال نحو شهرين، ستصير شريكة اساسية في السلطة الفلسطينية في قيادة منظمة التحرير وما يرتبط بها من مؤسسات، وبالتالي سيفضي ذلك الى تكريس منافس قوي وطموح للسلطة الفلسطينية.

اوراق قوة جديدة
2- خلال الفترة الماضية، نجحت السلطة الفلسطينية والى حد بعيد في اكتساب اوراق قوة جديدة عززت من مواقعها، وبالتالي باتت تلوح باستخدامها ضد الكيان الصهيوني عند اللزوم، ومن هذه الاوراق ورقة اللجوء الى خيار الامم المتحدة اذا ما اخفقت جهود كيري في استئناف المفاوضات وفق ما ترغب به السلطة.
فالمعلوم ان السلطة نجحت قبل اشهر في الحصول على عضوية مراقب في الامم المتحدة بتأييد دولي واسع النطاق، وهذا الواقع يمكنها من الانضمام الى المنظمات والمواثيق الدولية، ويمكنها ايضاً مساءلة اسرائيل.
3- ان السلطة الفلسطينية بدأت تفكر جدياً في العودة الى الخيارات البديلة ومنها تعزيز صمود الفلسطيني واعادة الاعتبار الى ورقة الانتفاضة الشعبية.
4- ان السلطة الفلسطينية التي وجدت احتضاناً عالمياً لا يستهان به ابان تقديمها طلب العضوية لأعلى منظمة دولية قبل اشهر، قد صارت على قناعة بأن الولايات المتحدة وحتى إن عدداً من الدول الغربية الاوروبية تعرف انه لم يعد في مقدورها كما في السابق، ابقاء اسرائيل فوق المساءلة وفوق المحاسبة، خصوصاً اذا ما كان الامر يتصل بالقضية الفلسطينية التي ما زالت تجد تعاطفاً عالمياً واسع النطاق معها يتجسد في مناسبات واشكال مختلفة، ابرزها في وفود الدعم والتعاطف التي تقصد الاراضي المحتلة دوماً للوقوف الى جانب الشعب الفلسطيني في وجه الممارسات الوحشية الاسرائيلية.
ومهما يكن من امر، فالثابت ان السلطة الفلسطينية تعد العدة لمرحلة ما بعد اخفاق سيد الديبلوماسية الاميركية في مهمته الجديدة، وهي على ثقة من أن وضعها هذه المرة افضل في مواجهة خصمها.

ا. ب

العدد ٢٧٩٩ الاثنين٣ حزيران (يونيو) ٢٠١٣ / ٢٤ رجب ١٤٣٤
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق