رئيسيسياسة عربية

الحريري وجنبلاط والثنائي الشيعي يعيدون احياء «الحلف الرباعي»

على رغم موقف بعض الاطراف السياسية من قانون الستين، واعتبار البعض الاخر انه غير موجود وانه مات ولم يعد قائماً، لانه وضع لمرة واحدة،  شهدت وزارة الداخلية نهاية الاسبوع الفائت حشداً من المرشحين من كل الطوائف والتيارات والاحزاب، وخصوصاً من ممثلي المجتمع المدني، يقدمون ترشيحاتهم للانتخابات على اساس هذا القانون، مما حمل احد المسؤولين على القول: «ألم يكن من الافضل الافادة من الاشهر التي اضعناها بدل المناحرة والمماحكة السياسية حول الستين ومن ثم العودة اليه بعد الفشل في الاتفاق على قانون جديد؟!».

استهل رئيس الجمهورية جلسة حكومة تصريف الاعمال لاصدار المراسيم العائدة الى العملية الانتخابية من تشكيل هيئة الاشراف على الانتخابات الى اعطاء سلفة خزينة وتحديد سقف الانفاق الاضافي بالقول للوزراء: «منذ شهرين عرضت هذه المواضيع ورفضت وبعد شهرين عادت الحكومة الى اقرارها. واللافت ان وزراء 8 اذار صوتوا على هذه المواضيع بعدما كانوا ضدها ويرفضون مجرد عرضها على مجلس الوزراء. وقد حملت خطوة الحكومة احد نواب 14 اذار على القول: «يا عيب الشوم على هكذا وزراء. كيف انهم لحسوا تصريحاتهم وتجاوزوا مواقفهم وساروا في الستين»! حتى ان رئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي غمز من قناة بعض الوزراء الذين كانوا رأس حربة في رفض قانون الستين ومنع بحث اي موضوع له علاقة به.
 تركت مبادرة الاطراف السياسية، لا سيما اولئك الذين كانوا من اشد معارضي الستين، في تقديم الترشيحات اثراً سيئاً لدى الرأي العام. وقال احد المراقبين: «كان على من اعترض ورفض الستين ان يتمسك بموقفه مبدئياً، ولا يترشح على اساسه، لا بل ان يستعجل الخطوات للاتفاق على قانون جديد». الا ان توجه قوى 8 اذار مع الحزب الاشتراكي، نحو تمديد ولاية المجلس سنة ونصف السنة، حال دون الاتفاق على قانون جديد، رغم معارضة التيار الوطني الحر موقف حليفيه من التمديد. واقدام الرئيس نبيه بري على سحب اقتراح القانون المختلط بين الاكثري والنسبي مناصفة يؤشر الى ان 8 اذار، لا سيما حزب الله، لم يكن يريد اجراء الانتخابات لاكثر من سبب واعتبار. وان حزب الله وحركة امل وحتى الاشتراكي لم يتقدموا باي صيغة لقانون الانتخاب، بل تلطى الحزب وراء العماد ميشال عون وتبنى المشروع الارثوذكسي، كما اعلن الثنائي الشيعي انه يؤيد المشروع الذي يتفق عليه المسيحيون، ورد البطريرك الراعي بعد عودته على هذا بالقول: «ليقولوا لنا ما هو مشروع المسلمين الانتخابي لنؤيده».

رفض جنبلاط
وفي غمرة البحث عن قانون جديد للانتخاب اعلن النائب وليد جنبلاط رفضه كل المشاريع والتمسك بالستين، وان قبل شكلاً بالمختلط ارضاءً للمستقبل وكسباً للوقت. وبعد ان تأكد جنبلاط من ان الانتخابات ستجري على اساس الستين زار الرئيس ميشال سليمان مطالباً بالتمديد سنتين للمجلس لاعتبارات امنية «لنرى ما يجري في المنطقة وفي سوريا». واقنع تيار المستقبل القوات اللبنانية بصيغة المختلط وفق نسبة 70 % على الاكثري و30% على النسبي وتقسيم لبنان الى 6 محافظات و26 دائرة. فاعترض حزب الكتائب على تقسيم المحافظات وطالب بتقسيم جبل لبنان الى ثلاث. ورفض حزب الله المختلط كما رفضه العماد عون وجارى الرئيس بري حليفيه، فتحول المختلط الى مشروع غير ميثاقي لرفضه من الثنائي الشيعي، كما رفض السنة والدروز الارثوذكسي. وتوقفت المفاوضات حول قانون الانتخاب بعد ان تخلى حزبا القوات والكتائب عن الارثوذكسي لصالح المختلط. ورفض الرئيس بري النزول عند رغبة عون والدكتور سمير جعجع في دعوة الهيئة العامة للتصويت  على المشاريع من الارثوذكسي الى المختلط الى الدوائر الصغرى والمتوسطة الى مشروع الحكومة، والذي ينال الغالبية يصبح ساري المفعول لان الارثوذكسي والمختلط مشروعان غير ميثاقيين. وجرى سجال سياسي حاد بين القوات والعونيين على خلفية الارثوذكسي. وتبادل الطرفان الاتهامات بالتخلي عنه وعن حقوق المسيحيين الى ان تدخلت بكركي والرابطة المارونية لوقف السجال، وساهمت عودة البطريرك في وقف هذا «التناتش» داخل الساحة المسيحية، وابدى الراعي استعداده لدعوة القيادات المسيحية الى الاجتماع ومن ثم يعقد اجتماع موسع للنواب والقوى والاحزاب المسيحية. وزار جعجع بكركي على رأس وفد من نواب القوات لتوضيح الصورة وشرح الموقف. كما زار عون بكركي على رأس وفد واعلن «اننا امام خيارات واضحة فالستين السيىء والتمديد الاسوأ والفراغ الكارثي فنحن مع السيىء». وحاول كل من التيار والقوات الحصول على مكاسب انتخابية من وراء السجال السياسي وتبادل الاتهامات التي انتقدها النائب سامي الجميل ودعا الرئيس امين الجميل الى توحيد موقف المسيحيين في هذا الظرف. وحسم تحديد وزير الداخلية والبلديات العميد مروان شربل 16 حزيران (يونيو) موعداً لاجراء الانتخابات مصيرها، فأحرج الجميع واربك القوى السياسية التي كانت تسعى الى التمديد. واضطرت حكومة تصريف الاعمال استناداً الى استشارة قانونية من هيئة الاستشارات والقضايا في وزارة العدل الى عقد جلسة اصدرت خلالها المراسيم التي تحتاجها العملية الانتخابية.
واثنى ديبلوماسيون على موقف الوزير شربل مؤكدين على ضرورة اجراء الانتخابات ولو بتأخير تقني، والا فقد لبنان صورته في الخارج واعتبر «دولة مارقة» فيخسر كل الدعم الخارجي، لانه «دولة غير قادرة على ان تحكم ذاتها بذاتها وبالتالي غير جديرة بالحياة» وفق ما قال احد الديبلوماسيين. ونقل نواب من كتلة المستقبل زاروا بعبدا قبيل جلسة مجلس الوزراء عن الرئيس قوله: «انه ملتزم اجراء الانتخابات في موعدها واحترام الاستحقاقات الدستورية وانه سيطعن باي تمديد للمجلس النيابي الا التمديد التقني المحدود والمرتبط بمدة معينة تحتم في نهايتها اجراء الانتخابات».

التمديد للمجلس
وامام فشل الاتفاق على قانون جديد للانتخاب لعدم توافر الارادة والرغبة، خصوصاً لدى قوى 8 اذار وفق ما يقول نائب في القوات اللبنانية، انتقل الرئيس نبيه بري بماكينته السياسية الى البحث في موضوع التمديد للمجلس النيابي. وفتح البازار بدءاً من عقد كامل اي اربع سن
وات، ثم تدرج البحث الى سنتين ثم الى سنة ونصف السنة، والى تمديد بالتقسيط يبدأ بستة اشهر ثم بسنة. بدأ تسويق فكرة التمديد لدى القوى السياسية بحجة صعوبة اجراء الانتخابات لاسباب امنية، بعد صواريخ مار مخايل والتفجير المستمر في طرابلس، والتوتر العالي في صيدا. فاعلن العماد ميشال عون رفضه مبدأ التمديد، مصرا ًعلى الانتخابات ولو على قانون الستين. وقال انه لا يريد ان تشمل صفقة  التمديد قائد الجيش العماد جان قهوجي الذي يحال على التقاعد في ايلول (سبتمبر) المقبل، ولا رئاسة الجمهورية في ايار (مايو) المقبل. واعترضت قوى 14 اذار لا سيما تيار المستقبل على التمديد، واشترطت ان يكون اي تمديد مقروناً باتفاق على قانون للانتخاب وعلى وعد وتعهد من القوى السياسية باجراء الانتخابات خلال فترة التمديد. غير ان جنبلاط، وعلى رغم تمسكه بقانون الستين، تولى مع حزب الله تسويق التمديد سنة ونصف السنة للمجلس بدلاً من سنتين، واضعاً اقتراحه تحت خانة حماية الاستقرار والخوف من الامن المهزوز والمتفجر والاضطرابات الامنية والخشية من تعريض السلم الاهلي والوحدة الوطنية للخطر. واوفد بري معاونه السياسي الوزير علي حسن خليل الى بعبدا مقترحاً على الرئيس سليمان الموافقة على التمديد سنتين، الامر الذي اعترض عليه سليمان لان لا مبرر لذلك، وقال: «ماذا يمكنني ان اقول لمن يسألني لماذا لم تجر الانتخابات في لبنان»؟ وقال: اي تمديد يفترض ان يكون لاقل من ستة اشهر ومعللاً، اي ان تجرى الانتخابات خلاله، ولن اوقع على اي قانون وسأطعن فيه. وقد سرت فكرة التمديد للمجلس مع انتهاء مفعول تعليق مهل قانون الستين. وسارع الوزير شربل الى ارسال كتاب الى رئيس الجمهورية واخر الى رئيس حكومة تصريف الاعمال يطلب فيه عقد جلسة لحكومة تصريف الاعمال استناداً الى رأي هيئة الاستشارات والقضايا في وزارة العدل التي اكدت امكان عقد حكومة تصريف الاعمال جلسات لاتخاذ التدابير لاجراء الانتخابات، ومنها تشكيل هيئة الاشراف على الانتخابات واعطاء سلفة خزينة لوزارة الداخلية، وتحديد سقف الانفاق الاضافي للمرشح وانشاء لجان القيد، واصدار المراسيم ذات الصلة، بعدما رفضت الحكومة في الماضي مجرد البحث في هذه المواضيع لانها تسهم في احياء قانون الستين وفق وزراء حزب الله، الذين رفضوا يومها انشاء هيئة الاشراف على الانتخابات التي شكلت احد ابرز اسباب استقالة الحكومة. ويقول وزير الداخلية ان الانتخابات في موعدها في 16 الجاري، واي تأجيل يكون تقنياً، اي  في حال عدم تزويد الوزارة بالعنصر البشري من الوزارات المعنية للاشراف على الانتخابات. ان  وزارة الداخلية انجزت منذ 5 اشهر ما عليها ووضعت الخطة وعلى الوزارات الاخرى القيام بالمطلوب منها. اما بشأن الوضع الامني فيقول الوزير شربل انه اذا بقيت الاوضاع على حالها، فهناك حل بنقل اقلام الاقتراع من باب التبانة وجبل محسن الى السرايا او ثكنة الجيش.او بتأجيل الانتخابات في المناطق التي تشهد توتراً بضعة اسابيع.

اتصالات واسعة
تكثفت الاتصالات بين بعبدا وعين التينه وبيت الوسط والرابية والضاحية ومعراب وبكفيا للاتفاق على التمديد. وكما قال نائب في المستقبل: «ان الجميع مأزومون ولهم مصلحة في التمديد فلا يزايدن احد على الاخر». وتولى الوزير علي حسن خليل تسويق الاقتراح لدى المستقبل وزار وفد منه يضم الوزير السابق محمد شطح ونادر الحريري النائب جنبلاط، وتباحث شطح مع الرئيس سليمان، في الموضوع وبعد ان ابلغ جنبلاط الخليلين: الوزير علي حسن خليل (امل) وحسن الخليل (حزب الله) موافقة المستقبل على التمديد سنتين وفق ضوابط وشروط منها انتاج قانون جديد للانتخاب والتعهد باجراء الانتخابات، سواء وفق قانون جديد او وفق قانون الستين الساري المفعول خلال فترة التمديد، ثم انتقل الخليلان الى الرابية لاقناع العماد عون الذي رفض التمديد من حيث المبدأ، وكما قال النائب الان عون بان رئيس التكتل يرفض التمديد تحت اي ظرف الا انه وعد بعدم الطعن به والاكتفاء بمعارضته عند التصويت.
واعلن النائب سامي الجميل مع اقفال باب الترشح منتصف ليل الاثنين ان مرشحي الحزب تقدموا بترشيحاتهم على اساس الستين، مشيراً الى ان الحزب سيطعن في القانون لانه غير دستوري وفنّد البنود غير الدستورية فيه. واتفق ليل الاحد الفائت بين المستقبل والاشتراكي والثنائي الشيعي على «تسوية» تقضي بالتمديد للمجلس سنة ونصف السنة، وعدم ادخال الموضوع الحكومي في الصفقة، بعدما حدد الرئيس المكلف تمام سلام طبيعة حكومته الاشراف على اجراء الانتخابات وفق معايير منها عدم اعطاء الثلث المعطل لاي طرف وعدم توزير حزبيين ومرشحين واشخاص صداميين، واعتماد المداورة في الحقائب. وامام اصرار 8 اذار على الثلث المعطل والاستمرار في بعض الحقائب قد يعلن سلام موقفاً بعد ان تتضح صورة التسوية الرامية الى تأجيل موعد الانتخابات.
وتؤكد اوساط بعبدا ان الرئيس سليمان لا يزال عند موقفه بعدم التمديد لاكثر من ستة اشهر شرط الاتفاق على قانون جديد. وقالت مصادر مطلعة ان سليمان وفي حال توافر اجماع وطني على التمديد لمدة طويلة وتحت جملة ضوابط تلقى موافقته ولا تتعارض مع الدستور والثوابت الميثاقية والوطنية، يعيد النظر في موقفه بعد اخضاعه للدرس والنقاش القانوني.

انتظار سلام
ورفض تيار المستقبل ان يدخل موضوع الحكومة في التسوية الرامية الى تمديد ولاية المجلس وابقاء الموضوع في اطاره المستقل. وتنتظر الاطراف السياسية ما يقدم عليه الرئيس المكلف تمام سلام، بعدما احجم عن الترشح في حين اقدم الرئيس نجيب ميقاتي على الخطوة الامر الذي طرح اسئلة منها: اقدام سلام على الاعتذار عن عدم تشكيل الحكومة طالما ان لا انتخابات في وقت قريب وطالما ان لا موعد لاجرائها، وهو امر نفته اوساطه مؤكدة انه سيكون له موقف بعد جلسة المجلس وبعد التصويت على التمديد. وفي هذا المجال تحدثت اوساط سياسية عن عودة الحديث عن حكومة ثلاث ثمانات من دون ثلث معطل او وزير ملك كما يسرب البعض، بل تكون حصة الاطراف صافية مع تمسك سلام بالمداورة في الحقائب. وقد يكون موضوع الحكومة الملف التالي الذي ستنكب الاطراف على معالجته بعد التمديد ورفع ضغط المهل الدستورية الواردة في قانون الستين، بحيث يتيح هذا الامر للقوى السياسية ان تدخل في حوار وان تستأنف التواصل المقطوع منذ فترة، وقد برزت بوادره في الاتصال الذي جرى بين الرئيس سعد الحريري والرئيس فؤاد السنيوره والرئيس نبيه بري بعد صواريخ مار مخايل، واعتبر بداية لعودة التواصل بعدما كان بري قد اوفد معاونه الوزير علي حسن خليل اكثر من مرة الى الرئيس السنيوره للتباحث في مواضيع الساعة والتمديد لمجلس النواب.
ان موافقة الاطراف على قرار التمديد للمجلس يخفي الرغبة في ابقاء الوضع على حاله خلال هذه المرحلة، بانتظار جلاء الاوضاع في المنطقة وسوريا بعد مؤتمر «جنيف -2».

فيليب ابي عقل

العدد ٢٧٩٩ الاثنين٣ حزيران (يونيو) ٢٠١٣ / ٢٤ رجب ١٤٣٤
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق