أبرز الأخبارسياسة عربية

الجزائر: اين هو بوتفليقة؟

جريدة الوطن الجزائرية، عنونت في الاسبوع الماضي، «النظام يفرض السكوت». وكتبت جريدة الشروق: «ان الصمت الذي يحوط بصحة الرئيس، يعكس ازدراء بالشعب». فعبرت الجريدتان وسائر الصحف الجزائرية غير الحكومية، عن الانزعاج والاستنكار، اللذين يشعر بهما الرأي العام وقسم من الطبقة السياسية تجاه النقص في المعلومات الرسمية، الذي تتعامل به القيادة الحكومية الجزائرية، مع حالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة (76 عاماً) الذي ادخل في 27 نيسان (ابريل) الماضي، بطريقة الاستعجال، الى مستشفى فال – دو غراس، العسكري في باريس.

بعد ان عولج بوتفليقة من اصابة، قال طبيبه الخاص، رشيد بوغربال، في 28 نيسان (ابريل) انها «عابرة وغير خطرة، وليست انعكاساتها بلا رجعة».
وبعد ثلاثة اسابيع، نقل الرئيس الجزائري من مستشفى فال – دو غراس، الى مركز الانغاليد، المتخصص في النقاهة واعادة التأهيل والاقامات الطبية الطويلة التابع لوزارة الدفاع الفرنسية، التي اكدت الخبر في بيان رسمي.
ولكن الصحف الفرنسية، مثل فيغارو ولو باريزيان، اعتقدت بأن حالة بوتفليقة، غير مطمئنة، بينما كانت السلطات الجزائرية تسعى جاهدة الى طمأنة رأي عام ملحاح، ومعارضة تطالب بتفاصيل، لم تظهر.

ايضاحات ناقصة
ناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية، لم يشف غليل حشرية الصحافيين، فاكتفى بتأكيد ان الرئيس الجزائري، «ما زال في فرنسا، فعلاً»، واحالهم على تصريحات رئيس الوزراء الجزائري «الذي يؤكد ان الرئيس يخضع لسلسلة من الفحوصات الطبية في مستشفى فال – دو غراس، وان الحكومة الجزائرية هي المخولة، بان تعطي الايضاحات الاضافية، اذا شاءت».
وحرصت الحكومة الجزائرية على تأكيد اخبار مطمئنة حول تطور صحة الرئيس، فاكد رئيس الحكومة عبد الملك سلال الى وكالة الانباء الجزائرية، ان حالة الرئيس «تتحسن يوماً بعد يوم» و«ان حياته ليست في خطر»، بالرغم من ان عليه ان يحتفظ بالهدوء التام. الامر الذي لا يمنعه من متابعة نشاطات الحكومة، يوماً بعد يوم، ومن توقيع مرسوم حكومي، باعلان 22 تشرين الاول (اكتوبر)، يوم الصحافة. فردت جريدة الوطن: «اذا كان في استطاعة رئيس البلاد، ان يفعل كل ذلك، لماذا لا يقدمونه على التلفزيون؟!».
فرد عبد الملك سلال، خلال زيارة الى ولاية بطنا: «نعم ان الرئيس مريض، واقول لكم اليوم، انه في حالة جيدة، وانه شفي، ولا ارى لماذا تشككون بكلامي»؟ وتساءل: «اذا كان من واجب الحكومة ان تنشر بلاغاً يومياً، حول حالة الرئيس الصحية. وهل ان عليها ان تفعل لارضاء حشرية البعض؟! كلا…».
ولكن الجزائريين، يسعون الى الاستعلام عبر الصحافة الفرنسية حيث ان مجلة «لو بوان» التي لها علاقات وثيقة بقصر الاليزيه، الرئاسي في فرنسا، قالت ان وظائف الرئيس الحيوية تضررت كثيراً، نتيجة الوعكة المفاجئة التي اصيب بها.
ولان جريدة «مون جورنال» الصادرة باللغة الفرنسية، تجرأت مع نسختها العربية، «جريدتي»، على خرق الصمت والتعتيم، عمدت السلطة الى مصادرة نسخ الجريدة، ولكن وزارة الاعلام، كذبت عملية المصادرة، بينما المؤكد، هو ان نسخ الجريدتين اختفت من السوق.
واشار هشام عبود، الضابط السابق في المخابرات العسكرية، ومؤسس الجريدتين الذي شرح على مدى صفحتين، حالة بوتفليقة الصحية، على شبكة تلفزيون فرانس – 24، الى ان صحة الرئيس «تدهورت كثيراً»، وانه كان في «حالة غيبوبة»، قد تدوم اياماً ام اسابيع».

اتهام
واتهمت النيابة العامة في الجزائر، هشام عبود، بـ «تهديد سلامة الدولة، والوحدة الوطنية، واستقرار المؤسسات وحسن عملها، فكانت المرة الاولى التي تتم  فيها مصادرة صحيفة ويحاكم مديرها بتهمة تعريض امن البلاد الى الخطر، منذ عشر سنوات، تمتعت خلالها الصحافة، بما يكفي من الحرية، فعكس التدبير، التوتر الذي يسود السلطات الجزائرية، التي تسعى قدر الامكان الى منع الاعلام من التعاطي مع حالة الرئيس الصحية.
ومما يزيد من «حشرية» الجزائريين، ان الرئيس خضع في سنة 2005، الى عملية جراحية، في مستشفى فال –  دو غراس، فاسرع التلفزيون الجزائري الى تصويره بعد ايام قليلة، بعيداً عن التعتيم الاعلامي الذي نشهده اليوم.
وذهبت بعض المعارضة اليوم، الى مطالبة المجلس الدستوري، بان يقترح على البرلمان، تطبيق المادة 88 من الدستور، القائلة باسقاط الرئيس، في حال اصابته بـ «عجز خطر ودائم»، و«استحالة ممارسته مهامه».
وربط مراقبون، بين ما يحصل ومعركة رئاسة الجمهورية، حيث كان عبد العزيز بوتفليقة (ومن معه) يسعى الى الترشح لولاية رابعة، في انتخابات نيسان (ابريل) 2014، وكان بوتفليقة انتخب للمرة الاولى في سنة 1999 رئيساً للجزائر، فهل ان مرض الرئيس قضى على هذه الخطة؟

انقلاب طبي
لماذا كل هذا؟!
عمارة بو يونس، رئيس الحركة الشعبية الجزائرية، التقى مع زعماء احزاب جرى انشاؤها، مؤخراً، مؤيدة للنظام: «ان الذين يطالبون بتطبيق المادة 88 من الدستور يسعون الى احداث «انقلاب طبي» (بدلاً من العسكري)، واكد تلفزيون «فرانس – 24» ان الرئيس سيستأنف نشاطه قريباً.
بينما تقول المعارضة، ان الرئيس بوتفليقة عاجز عن قيادة البلاد، منذ امد، فكيف السعي الى انتخابه لولاية رابعة. ولا يعرف بعد ما اذا كانت اوضاعه الصحية الحالية، تسمح له، وللقوى التي تسعى الى تجديد رئاسته، بالتفكير بالموضوع.
  وتتهم جريدة الوطن، اسمياً، بتوجيه المناورة التجديدية، شقيق الرئيس، سعيد بوتفليقة، وسكرتيره الشخصي، محمد رغاب، ومستشاره محمد مفيدم.
وكانت تباشير معركة ذات توجهات معينة، ظهرت منذ اشهر مع اخبار حول تحقيقات في شؤون فساد. وتناولت شخصيات كانت حتى الآن، فوق كل الشبهات.
فحتى زمن قصير، كان شكيب خليل (74 عاماً) في طليعة لائحة الرجال
الاكثر نفوذاً، في الجزائر، وضبطاً في دنيا الطاقة، التي هي اساس اقتصاد الجزائر، وحياتها: وكان شكيب خليل شغل منصب وزير الطاقة والنفط، في الدولة الشمال – افريقية، حتى سنة 2010، وتولى اكثر من مرة الامانة العامة في منظمة الدول المصدرة للنفط.
كان ذلك، حتى بداية شهر نيسان (ابريل) الماضي، عندما قامت عناصر من المخابرات العسكرية، وهو الجهاز الذي يتولى احياناً مهام الشرطة القضائية، بتفتيش مقرات اقامته في اوران، والجزائر، ومنزلي نور الدين شرواتي وعبد المجيد العطار، اللذين توليا، ذات يوم، رئاسة مجموعة سوناطراك النفطية العملاقة، اكبر المؤسسات الاقتصادية في افريقيا. اضافة الى منزل احد مدراء مكتب خليل السابقين، رضا همشه، المتزوج من ابنته، ولكنه لم يصدر اي قرار اتهام، في حق احد منهم، في الوقت الحاضر.

ماذا حصل؟
فماذا حصل، ليبرر سقوط رجال طالما تحكموا بمقدرات قطاع النفط في الجزائر، وملحقاته؟!وفي الاحداث ان محكمة ميلانو، فتحت في سنة 2012، ملف تحقيق حول عمولات دفعتها شركة سايبم، احد فروع عملاق النفط الايطالي، ايني، وقدرها 197 مليون يورو، الى الوسيط الجزائري،المقيم في دبي فريد بدياوي، مقابل عقود جزائرية، توازي 11 مليار يورو، بين سنتي 2007 و2009، مع العلم ان دفع العمولات عادة متبعة وقائمة، في كل عقود النفط، كما السلاح.
وفي شباط (فبراير) ارسل المدعي العام في ميلانو ملفاً حول الموضوع الى الدوائر العدلية المختصة في الجزائر، التي اسرعت تتعامل معه، في عجلة لافتة، وغير عادية، ولفت كذلك ان الجهة التي تولت الاشراف على الملف، هي المخابرات العسكرية الاقوى بين دوائر الامن الجزائرية وهي الجهاز الوحيد الذي يشكل معادلة مع السلطات التي كان الرئيس بوتفليقة، ينتزعها رويداً رويداً، مع المدنيين من العسكر، منذ اكثر من عقد.
واذا كان رجال المخابرات العسكرية اخرجوا من المنازل والمكاتب، التي «زاروها: كما من مكاتب فرع سايبم، في الجزائر، فانهم لم يتمكنوا من استجواب المعنيين الذين يقيمون في الخارج. فان صهر شكيب خليل مثلاً، الذي وصفته الصحافة الجزائرية بانه«دماغ» المجموعة يقيم في سويسرا.
ويشتهر جميع المشتبه بهم بانهم من اصدقاء الرئيس بوتفليقة، ام من الذين يتمتعون بثقته. وكان الرئيس الجزائري، احتفظ بصمت طويل، بعد تفجر القضية، الى ان اعرب، في اواخر شهر شباط (فبراير) عن «استيائه»، فقال ان الدولة لن تتردد في معاقبةالمذنبين. ولكنه لم يصدر شيء عن الحكومة.

ضربة ضد بوتفليقة
ورأى ضابط سابق في المخابرات انه من المؤكد ان هذا الجهاز، لم يتحرك، من عندياته، وانما بأوامر، ولكنه جد ممتن (جهاز المخابرات) من ان يطاول وزير الطاقة السابق، وعن طريقه الرئيس بوتفليقة، الذي عينه ويحميه، واعتبرت شبكة الانترنيت، «كل شيء عن الجزائر»، ان ما يحصل هو «ضربة للحؤول دون ان يترشح بوتفليقة، لولاية رابعة، في سنة 2014».
كان ذلك قبل انتقال الرئيس الى باريس للعلاج…
ويعتبر بوتفليقة، الرئيس الذي تولى هذا المنصب اطول مدة في الجزائر، بدءاً من سنة 1999، وكانت الصحف الجزائرية اكدت نيته الترشح لولايةرابعة، من دون ان يصدر عنه اي نفي ام تأكيد.
ويبقى انه اذا كان الذين تناولتهم التحقيقات في قضية الفساد، من الذين كانوا عينوا في مراكزهم بمباركة الرئيس، فانه من المعروف، ان مثل هذه التعيينات في مراكز حساسة، مثل النفط تحتاج الى موافقة المخابرات.
الذين عرفوا شكيب خليل، يؤكدون انه سياسي لامع، ويستطيع اعطاء تصريحات صحافية، في اربع لغات. بينما لشركات النفط الاجنبية رأي خاص به، وكتب عنه سفير الولايات المتحدة في الجزائر، دايفيد بيرس، في تقرير كشفت عنه ويكيليكس: «انه بمثابة البئر العميقة في سوناطراك» (شركة النفط الجزائرية الحكومية).

باريس – جوزف صفير

العدد ٢٧٩٩ الاثنين٣ حزيران (يونيو) ٢٠١٣ / ٢٤ رجب ١٤٣٤
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق