دولياتعالم

فيليم الكسندر أول ملك لهولندا في القرن الـ 21

في اجواء احتفالية ملكية «برتقالية» زاهية، اعتلى فيليم الكسندر عرش هولندا خلفاً لوالدته الملكة بياتريكس (75 عاماً) التي تنازلت عن العرش بعد أن حكمت البلاد 33 عاماً ليصبح أول ملك ذكر لهولندا خلال القرن الـ 21 منذ وليام الثالث الذي توفي عام 1890، وأصغر ملوك أوروبا.

على خطى والدتها وجدتها من قبلها، مشت بياتريكس معلنة في كانون الثاني (يناير) الماضي عن خطتها للتنحي عن العرش بعد ان ظلت ملكة لهولندا طوال 33 عاماً، واختارت «يوم الملكة» (30 نيسان – ابريل) للتوقيع على «وثيقة التنازل» في القصر الملكي، حيث وقعت أوراق تنازلها عن العرش لابنها خلال احتفال بسيط وقصير حضره أعضاء من مجلسي البرلمان بالاضافة الى ممثلي المناطق، وهي وثيقة بيضاء على خلفية برتقالية، اللون الرسمي لعائلة الاورانج الحاكمة في هولندا منذ قرنين.

التنازل عن العرش
في «يوم الملكة» ذاك، تجمع اكثر من 25 ألف هولندي في ميدان دام في العاصمة أمستردام أمام القصر الملكي لمتابعة مراسم التنازل عن العرش وتتويج ملك هولندا الجديد التي بثت على الهواء مباشرة. وانتظرت الحشود لرؤية ولأداء التحية على الملك الجديد وزوجته الملكة ماكسيما وهللوا فور الإعلان عن تتويجه. واطلت ملكة هولندا السابقة والتي اصبحت تعرف الآن باسم الأميرة بياتريكس على شرفة القصر المزينة بزهر البرتقال والبرتقال، وكبحت دموعها وهي تقدم للشعب ابنها الملك: «منذ لحظات تنازلت عن العرش. أنا سعيدة وممتنة وانا أقدم لكم ملككم الجديد». وانضمت الى الملك الجديد زوجته وبناته الثلاث، ومنهن اماليا (9 سنوات) التي باتت ولية العهد، ليرحبن بالجموع طوال عشر دقائق.
وشاهد الآلاف من المواطنين مراسم التنازل عن العرش عبر شاشات عملاقة أمام القصر الملكي، وارتدت غالبية الجمهور اللون البرتقالي (لون البيت الملكي) وحملوا بالونات حمراء وبيضاء وزرقاء، وهي ألوان العلم الهولندي.
وغطى اللون البرتقالي أمستردام تماماً. فالمنازل ارتدت الأقمشة والأعلام البرتقالية، ونوافذ المتاجر امتلأت بالكعك والحلوى والملابس والزهور، وكلها باللون البرتقالي، كما ارتدى المحتفلون ملابس برتقالية اللون. وأخذ عدد كبير من الهولنديين يوم التنصيب عطلة وبدأوا الاحتفالات باكراً. وشارك نحو مليون شخص في الاحتفالات في الشوارع والرقص على انغام موسيقى (الدي. جيه) في أجواء كارنفالية امتزجت بدموع الحزن لتنحي ملكتهم السابقة والفرح احتفالاً بملكهم الجديد، حيث تحظى العائلة المالكة بشعبية عارمة في هولندا. ووفقاً لنتيجة استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «إبسوس» مؤخراً تبين أن 78 بالمئة من الهولنديين يؤيدون الملكية في ارتفاع عن نسبة 74 بالمئة قبل عام، وان كانت العائلة المالكة لم يعد لها نفوذ سياسي يذكر ولم تعد تعين الوسيط الذي كان يشرف على المحادثات التمهيدية لدى تشكيل حكومة ائتلافية.

 

وداع الملكة
وكانت بياتريكس قد شكرت الأمة في خطاب وداع عشية تنازلها عن العرش، وأعربت عن «امتنانها العميق» للشعب على دعمه لها، وقالت إن نجلها الأكبر الأمير فيليم الكسندر «مستعد تماماً» لأن يصبح «ملكاً للبلاد وسوف يتصرف بدون أدنى اعتبار للمصالح الشخصية». وقالت الملكة: «حان الوقت ليتولى جيل جديد زمام الأمور».
واضافت في خطاب بثه التلفزيون على الأمة: «القوة الموحدة التي أبدتها الأجيال السابقة كانت مصدر إلهام لي». وأشارت إلى العديد من الأسلاف الاناث اللواتي تولين العرش منذ عام 1890 بمن في ذلك أمها الملكة جوليانا التي تنازلت عن العرش عام 1980 وجدتها الملكة فيلهيلمينا. وخلال إشادتها بزوجها الأمير كلاوس الذي توفي عام 2002، قالت بياتريكس إنه ساعد في تجديد
العائلة المالكة الهولندية. وأضافت: «ربما يشهد التاريخ على أن اختيار زوجي كان القرار الأمثل».

 

تنصيب الملك
جرت مراسم آداء اليمين في «كنيسة نيوفي كيرك» أو «الكنيسة الجديدة» التي ترجع إلى 600 عام وتقع بجوار القصر الملكي، وأقسم الملك الجديد اليمين ممسكاً بالدستور الهولندي أمام أعضاء البرلمان. وقد اعتلى العرش من غير ان يتوج، ويرمز هذا الفارق الى الفصل بين الكنيسة والملكية في هولندا. ولا يتوج ملوك هولندا في غياب كنيسة للدولة وليس هناك رجل دين للاشراف على التتويج إلا أن هناك تاجاً وضع على المنضدة بجوار الأمير طوال المراسم الى جانب رموز ملكية أخرى تمثل جواهر التاج.
وارتدى الأمير فيليم الكسندر عباءة ملكية تعود الى العام 1815 غير انه جرى اصلاحها وتغييرها مرتين على الأقل خلال القرن المنصرم لكي ترتديها والدته وقبلها جدته خلال مراسم التنصيب. وتألقت زوجته الملكة الجديدة الارجنتينية الاصل بفستان نيلي اللون.
وحضر حفل التنصيب 18 شخصية ملكية من دول العالم المختلفة بمن فيهم ولي عهد بريطانيا الأمير تشارلز واولياء العهد الياباني والدانماركي والاسباني والنرويجي والسويدي وامير موناكو وامراء عرب.
واستمرت الاحتفالات لتختتم بتنظيم موكب في المجرى المائي التاريخي في العاصمة أمستردام، وشارك في الاحتفالات اولياء ووليات العهد الاوروبيون والامين العام السابق للامم المتحدة كوفي انان ورئيس اللجنة الاولمبية الدولية جام روغي.
وفي المناسبة ايضاً اقيمت احتفالات في كل انحاء البلاد، ومنها حفلة في الهواء الطلق للمغني الهولندي ارمين فان بورين.
كما غاب عن هذا اليوم التاريخي للهولنديين، خورخي زوريغيتا، والد الملكة الجديدة ماكسيما، بسبب دوره المثير للجدل اثناء الدكتاتورية الارجنتينية، وشقيق فيليم الكسندر، الامير فريسكو الذي دخل في حالة غيبوبة جراء حادث تزلج في شباط (فبراير) 2012.
وترافق هذا الحدث الملكي مع اجراءات امنية مشددة حيث تم إغلاق المجال الجوي للمدينة يوم التنصيب وتم نشر حوالي 12500 رجل شرطة، كما نُشرت كلاب بوليسية كجزء من الترتيبات الأمنية، والتي تعد ضرورية نظراً لوجود العشرات من أفراد العائلات الملكية من العالم وكبار الشخصيات الأخرى.

 

 

 

 

 

 

 

 

آخر ليلة
وقبل تولي أمير أورانج فيليم آلكسندر العرش الهولندي، نظمت العائلة المالكة الهولندية آخر مأدبة عشاء في عهد والدته الملكة تكريماً لها في المتحف الوطني في امستردام بحضور عائلتها وأفراد آخرين من الأسرة الملكية من بينهم الأمير البريطاني تشارلز ودوقة كورنول، امير موناكو البير الثاني، الأمير الاسباني فيليب وزوجته ليتيزيا وولي عهد الدانمارك الأمير فريدريك وزوجته ماري، والامين العام السابق للامم المتحدة كوفي انان وزوجته… وشخصيات رفيعة المستوى. وفي هذه السهرة استقبلت بياتريكس ضيوفها القادمين من مختلف بقاع العالم لمشاركتها هذه المناسبة قبل حضورهم تسليم العرش رسمياً صباح اليوم التالي للأمير فيليم آلكسندر.

ملوك اوروبا… مهنة لمدى الحياة!
الاسرة الهولندية المالكة ليست كباقي الأسر الملكية الأوروبية وتخلي الملكة بياتريكس عن العرش بعد 33 عاماً من الحكم الذي باشرته عام 1980، فتح المجال لتسليم التاج الهولندي لأول رجل منذ 120 عاماً.
وتعتبراستقالة الملكة قراراً مهماً بالنسبة الى هولندا حيث النظام الملكي يمثل أساساً من أسس الحكم في بلد تديره عائلة الأورانج منذ أكثر من قرن. وكان للملكة المستقيلة بياتريكس قول شهير يوم تتويجها ان «الخدمة هي التي تعطي نكهة للملك».
ويبدو ان هذا التنازل عن العرش ليس من مقتضيات الحداثة وانما من الممارسات التي تتفق مع الملكية الهولندية، وهو يشكل استثناءً في أوروبا الغربية، التي لديها سبع ممالك، ودوقية وامارتان، وجميعها من الملكيات الدستورية الوراثية:
اليزابيث الثانية على عرش بريطانيا منذ عام 1952، ولا تنوي التنازل عن العرش لصالح ابنها، تشارلز، على الرغم من أنه بات في الرابعة والستين من العمر.
ملك إسبانيا، خوان كارلوس، لا يبدو ايضاً أنه سيتنازل، على الرغم من تعثر وضعه الصحي ، حيث خضع لأربع عمليات خلال سنة، فضلاً عن فضائح اثيرت حوله وبعض افراد العائلة المالكة اخيراً، كما أن أكثر من نصف الإسبانيين يتمنون رحيله لصالح ولي عهده الامير فيليبي.
والتنازل عن العرش لم يعد من المحرمات في مملكة بلجيكا، وإنما هو قرار شخصي من ألبرت الثاني، الذي أمضى تسعة عشر عاماً في الحكم وهو يعاني من مشاكل صحية، ورغم ذلك لم يتنازل لابنه فيليب.
أما في النروج فإن الحاكم الحالي، الملك هارالد الخامس، والذي يبلغ من العمر 76 عاماً، سيبقى ملكاً حتى النهاية، وابنه هاكون، هو الوارث.
وكذلك في الدانمارك حيث العائلة المالكة تتواجد منذ ستة قرون، الملكة مارغريت الثانية، لن تتنازل عن العرش، لأن الملكية في تلك البلاد هي مهنة لمدى الحياة.

الملك الجديد… «امير البيرة» عاشق السيارات، يكره البروتوكول
ملك هولندا الجديد فيليم ألكسندر ولد عام 1967 وكان أول وريث ذكر للعرش منذ 116 عاماً واول رجل يعتلي عرش هولندا منذ 1890 بعد ثلاث ملكات ووصية على العرش، وهو الاول من جيل جديد لملوك اوروبا الذين يبلغ متوسط اعمارهم 71 عاماً. ومن المتوقع ان يتبنى الملك الشاب اسلوباً اكثر مرونة من اسلوب والدته. ففي مقابلة بثها التلفزيون الرسمي قبل اسبوعين من توليه العرش، قال انه يريد ان يكون «ملكاً للقرن الحادي والعشرين» يجمع بين التقليد والحداثة، مشيراً الى انه لا يريد ان يكون «مقيداً بالبروتوكول».
فهو شاب يعشق السيارات السريعة والحفلات الصاخبة والبيرة التي أكسبته لقب «أمير البيرة»، وأثار زواجه من ماكسيما وهي من عامة الشعب، بعض الانزعاج والجدل لا سيما أن والد زوجته كان من قادة العسكر في عهد الديكتاتور الأرجنتيني جورج فيديلا، وقد قام القصر الملكي بتسوية الأمور بعد أن تقرر عدم حضور الأب حفل زواج ابنته في عام 2002 ولا حفل تتويج صهره وليام الكسندر الاسبوع الفائت، لكن الزوجين فازا بحب الناس، وأمسيا من الأسر الأكثر شعبية فى البلاد.
الملك فيليم ألكسندر تخصص في إدارة الموارد المائية، بعد حصوله على شهادة في التاريخ من جامعة ليدن، أستاذه السابق، يعتقد انه سيرفع يده أكثر عن السياسة.
الملك الجديد يسعى كالعديد من أفراد الأسر المالكة لترويج صورة الأمير الذي يمارس العمل الخيري، وهو أمر يتحدث عنه باستمرار، وفترة ولايته ستكون مرحلة التعرف على شخصيته بشكل أوضح بالنسبة الى هولندا وأوروبا والعالم. فحين سئل فيليم الكسندر عن الطريقة التي سيحكم بها هولندا وعما إذا كان متأثراً بشخصية والدته، أجاب بأنه متأثر بجدته جوليانا. ومن المتوقع أن يقلل وهو وزوجته، وهي مصرفية سابقة من الارجنتين، من المراسم الملكية.

لماذا البرتقالي؟
ما علاقة اللون البرتقالي بمملكة هولندا، علماً بأن العلم الهولندي لا يحتوي على اللون البرتقالي، ومن عادة الشعوب ارتداء الألوان التي يتكون منها العلم الوطني وخصوصاً بالمناسبات الوطنية، لكن هولندا يعبر عنها اللون البرتقالي، حيث يعود أصل الأسرة الهولندية الحاكمة إلى عائلة أورانيا ناساو. ويعتبر وليام الأول أمير أورانيا، الذي حكم بين سنتي 1572 و1584، ويعرف أيضاً باسم وليام الصامت، مؤسس الدولة الهولندية. فقد تحولت هولندا من جمهورية إلى ملكية سنة 1813 تحت حكم الملك وليام الأول. وتعني كلمة أورانيا، أي كلمة أورانج بالإنكليزية: البرتقالي، وبسبب ذلك تحول اللون البرتقالي إلى لون يعبر عن اللون الملكي الهولندي.

العدد ٢٧٩٦ الاثنين ١٣ ايار (مايو) ٢٠١٣ / ٣ رجب ١٤٣٤
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق