سينما

Trance داني بويل… حيرة وغموض في «بازل» مشربكة

بعدما حصد شريطه الشهير Slumdog Millionaire اكثر من 26 جائزة بين اوسكارات وغولدن غلوب وبافتا وغيرها عام 2008، وبعدما رشح فيلمه “127 Hours“ لـ 6 جوائز اوسكار عام 2010، يعود المخرج البريطاني القدير داني بويل مع شريط ثالث بعنوان Trance، لن يتأخر بدوره في الفوز بعدد كبير من الترشيحات والجوائز قريباً، رغم أنه ليس من النوعية التي يفضلها الجمهور العريض.

فيلم  Trance هو استعادة لتيليفيلم قديم، وهو من نوع الثريلر البوليسي الاسود الذي يتمحّور حول عملية سرقة لوحة، ويضاف اليها التنويم المغناطيسي واللاوعي وما يترتّب عنهما من مجالات واسعة تغني الحبكة، وتقدم للمشاهدين تجربة فريدة رغم تعقيداتها.

بحثاً عن اللوحة
يروي الفيلم قصة مجموعة لصوص يقودهم فرانك (فانسان كاسيل) سيقومون بسرقة لوحة للرسام الشهير غويا أثناء احد المزادات العلنية في لندن. فرانك سيتمكّن من الهرب بعد أن يقوم بضرب حامي اللوحة سايمون (جايمس ماكافوي) الذي سيقع على الارض مغشياً عليه. وبعد هربه، سيكتشف فرانك ان اللوحة ليست بحوذته، وان سايمون وحده يمكن أن يعرف مكانها. ولكن الضربة التي تعرض لها سايمون جعلته يفقد ذاكرته القريبة. لا التهديد ولا التعذيب سينفعان في جعله يتذكر مكان اللوحة، وهكذا سيلجأ فرانك الى خدمات الاختصاصية النفسية اليزابيت (روزاريو داوسون) التي ستخضع سايمون لجلسات تنويم مغناطيسي لمعرفة مكان اللوحة. وطبعاً ستطالب الطبيبة بحصتها من العملية بعد أن تكتشف أمر السرقة. وهكذا ينطلق الشريط في مجاهل مغامرة خطيرة، سيختلط فيها حابل الاوهام بنابل الحقيقة.

تعقيدات مقصودة
السيناريو من اعداد جون هودج الذي سبق ان عمل مع بويل على شريطي  Shallow Grave وTrainspotting، وقد جاء ذكياً جداً، وغنياً بالمفاجآت والتفاصيل، ولكنه يفتقد الى السلاسة والاسترسالية مما يجعله مرهقاً مع الوقت، وهو يمتلىء بموضوعات سبق ان عالجها بويل في افلامه السابقة مثل الشغف والجشع وسذاجة الشباب والعلاقات العنيفة. اما الصورة فتؤكد أن بويل فنان، فهو يقدم إطاراته بحرفية وكأنها لوحات مرسومة بجمالية كبيرة، ومزركشة بألوان نابضة ومنعشة وقوية. اما الاسلوب المشهدي فغني جداً ويخدم القصة لأن بويل استخدم زوايا عديدة لكل مشهد من مشاهده  وكأنه يريد أن يؤكد لنا أن هناك وجهات نظر عديدة ومحتملة لكل ما نشاهده. الاضاءة بدورها جميلة والمونتاج يرسخ الشعور بالانزعاج المطلوب، أما مشاهد روزاريو داوسن العارية فساخنة بحرفية عالية.

وما يميّز فعلاً هذا الشريط هو متاهة المعلومات التي يرمينا في داخلها المخرج داني بويل، فيجعلنا نشعر بفقدان المرجعية والضياع المطلق من حيث لا ندري. فبعد المشهد الاستعراضي الرائع لعملية السرقة، سيفتح لنا بويل باباً نحو بئر لا قرار لها، وسيجعلنا نقترب كل مرة من معرفة الاجابات على تساؤلاتنا حول تحديد ادوار الشخصيات ودوافعهم الفعلية، قبل أن يبعثر مجدداً قطع البازل التي كادت ان تتشكل وتكتمل امام اعيننا في  لوحة الحقيقة.

  حيرة
الرائع فعلاً في الشريط هو قدرته على جعلنا نغيّر نظرتنا الى الشخصيات بشكل مستمر، فداني بويل يتعمّد التلاعب بنا نحن المشاهدين، مستخدماً ذكاءه في مزج الوعي باللاوعي والحقيقي بالوهمي باسلوب متناغم ومتجانس جداً لا يفضحه سوى تفاصيل صغيرة من الصعب اكتشافها بسهولة. وهكذا سيكون من الصعب علينا في البدء ان نكتشف هل ما يراه المنوّم مغناطيسياً هو حقيقة أو خيال، خصوصاً أن داني بويل يتقصد عدم مساعدة المشاهدين ويستمتع بخلط الاوراق التي
ستتركهم في حالة من الحيرة والارتباك الكبيرين، الى درجة ان الجمهور المعتاد على السيناريوهات البسيطة التي تقوده بيده من اول الشريط الى آخره، سيشك في لحظة ما أن هناك خللاً ما  في السيناريو. صحيح أن الشريط ليس بسيطاً للأسف، وصحيح أن الاجواء معقدة بعض الشيء، وان كثيرين قد يصابون بصداع وهم يحاولون فهم ما يدور، ولكن ما يريده بويل فعلاً من وراء كل ذلك، هو جعل المشاهد يشعر بالحيرة نفسها التي تستولي على شخصيات فيلمه، قبل أن يقدم للجميع في نهاية المطاف جميع التوضيحات المترافقة مع مشاهد «فلاش باك» عدة، كتعويض عن كل ذلك الغموض وتلك العقد والتلاعب بأعصاب المشاهدين.

ابطال الفيلم
يرتكز فيلم Trance على ثلاث شخصيات رئيسية تحمل الحبكة المعقدة على اكتافها بجدارة اداءات لافتة وقوية جداً. ثلاث شخصيات سنلاحظ مدى تعقيداتها تباعاً، وذلك تماشياً مع قطع البازل المشربكة. النجم الفرنسي فنسان كاسيل هو من فاز أخيراً بدور فرانك السارق الذي عرض على كل من النجمين مايكل فاثباندر وكولن فيرث كذلك الامر. وقد تميّز كاسيل كعادته بحضور قوي ومغناطيسي على الشاشة وهو مقنع جداً في تطور شخصيته بطريقة عكسية، فهو سينطلق كرجل عصابة يتحكم بالامور لينتهي رجلاً يعاني من عواقب قصة تتخطاه. بدورها روزاريو داوسون مثيرة واكزوتيكية وغامضة في دور الطبيبة النفسية الذي عرض هو الاخر على عدد من النجمات الفاتنات مثل الاميركيتين سكارليت جوهانسن وزوي سالدانا بطلة فيلم Avatar والفرنسية ميلاني تييري. اما النجم الاسكتلندي جايمس ماكافوي بطل شريطي The Last King Of Scotland وAtonement فمذهل بتلقائيته وطبيعيته حتى اثناء ادائه شخصية معقدة.

مايا مخايل

العدد ٢٧٩٣ الاثنين ٢٢ نيسان (ابريل) ٢٠١٣ / ١٢ جماد الثاني ١٤٣٤

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق