سياسة عربية

العراق: المالكي «يدعم» حليفه المطلك بتعديل قانون «المساءلة»

بصمت وبلا مبالاة، «احيا» العراقيون الذكرى السنوية العاشرة لسقوط بغداد بيد قوات الغزو الاميركية، وهو اليوم الذي سجلت فيه العدسات والكاميرات مشهد اسقاط التمثال الضخم للرئيس العراقي صدام حسين في ساحة الفردوس في قلب بغداد، والذي دأب العراقيون على اعتباره يوماً «مجيداً»، كونه ثبت بالملموس بأن نظام البعث الذي حكم العراق على مدى اكثر من اربعة عقود تداعى بنيانه وسقط عنفوانه ورمزه.

امر طبيعي الا يعير الشعب والحكومة في بغداد هذه المناسبة في هذه المرحلة اهتماماً، لاعتبارات عدة ابرزها:
– ان وهج اسقاط النظام الذي حكم بالقبضة الحديدية انطفأ بحكم مرور الزمن.
– ان المشاكل حول المعضلات التي نتجت عن سقوط النظام اكبر من ان تترك فرصة للاحتفال بمثل هذا الحدث.
– ان تجربة الاعوام العشرة المنصرمة في السياسة والادارة والامن، لم تكن نموذجية على نحو تدفع الانسان العراقي الى المفاضلة بينها وبين ما سلف من تجارب مماثلة.
واكثر من ذلك، فإن المأزق السياسي والانقسامات والاصطفافات الحادة التي شهدتها الساحة العراقية منذ الانتخابات العامة في العام 2013، وما تلا ذلك من تعثر في ولادة الحكومة الحالي، والصراعات المستمرة بين رئيس الوزراء نوري المالكي ومعارضيه الذين نجحوا في ان يصيروا «جبهة» حقيقية فاعلة ومؤثرة كادت تنجح في لحظة من اللحظات في سحب الثقة منه وسحب الحكم من يده، ادت فعلاً الى ازمة مستعصية شلت الحكومة وعطلت الحكم، ونزل معها المعارضون الى الساحات والشوارع في ثلاث محافظات ذات اكثرية مذهبية معينة لينفذوا اعتصامات وتظاهرات وحركات احتجاج اوشكت ان تنهي شهرها الرابع على التوالي.

انقسام وفوضى
واذا كانت السجالات والصراعات على الوانها في عراق ما بعد صدام حسين ليست جديدة، فالواضح لمتابعي الشأن العراقي ان الامور لم تبلغ في السابق هذا المستوى من الانقسام والفوضى السياسية والامنية، وتصير جبهة الخصوم للحكومة على هذه الدرجة من الاتساع، وان تتشرذم في الآونة الاخيرة الكتل والائتلافات السياسية الى هذه الدرجة.
فضلاً عن ذلك، تنفصم عرى التحالف التاريخي بين حكومة المالكي وفريقه السياسي الداعم من جهة، والطرف الكردي من جهة اخرى.
ذلك هو باختصار المشهد السياسي العراقي في الذكرى العاشرة للحدث الذي يفترض ان يكون الحدث الاكثر اعتزازاً بالنسبة اليهم، كونه شكل مفصلاً تاريخياً نقلهم من حال الى حال اخر مختلف واراحهم من حكم استبدادي ادت مغامراته وحروبه الى جعل العراق الدولة القوية الغنية بطاقاتها وقدراتها، دولة مهيضة الجناح محاصرة وتعيش دوماً فوق صفيح ساخن من المخاطر.
وفي كل الحالات، كان مقدراً على العراق وهو يعيش هذه الذكرى ان يواجه ثلاث قضايا خلافية حاضرة منذ فترة بعناد وهي:
– مشكلة الخلافات المتواصلة بين المتظاهرين المعتصمين في عدد من المدن الرئيسية في محافظات الوسط والرافعين للواء الدعوة الى تحقيق عدد من المطالب من جهة، وحكومة المالكي من جهة اخرى.
– قضية مستقبل العلاقة بين حكومة بغداد واربيل.
– مسألة الانتخابات المحلية التي بدأت مراحلها الاولى باقتراع عناصر القوى الامنية ويفترض ان تنتهي قريباً.
فعلى صعيد المشكلة الاولى، فإن المالكي نجح خلال الآونة الاخيرة في تحقيق امرين اساسيين مما فتح باب الاعتراض من جهة امام من يفترض ان يكونوا حلفاءه.
فهو نجح اولاً في اقرار اقتراحات تعديل قانون «المساءلة والعدالة»، وهو الاسم الملطف لقانون اجتثاث البعث وقانون المخبر السري.

عصفوران بحجر واحد
وبهذا الاقرار لهذا القانون، ضرب المالكي عصفورين بحجر واحد، فهو من جهة حقق مطلباً من ابرز مطالب المحتجين والمعتصمين ضده، وعليه فإنه صار بإمكان المالكي ان يرد على المتطرفين والمتشددين من هؤلاء المعارضين ويؤكد بالملموس خطأ ما يدعونه بأنه لا يلتفت الى مطالبهم ولا يقيم اعتباراً لحراكهم المستمر.
وهو (اي المالكي) من جهة اخرى، اعطى الفريق الذي انشق عن ابرز خصومه (القائمة العراقية) برئاسة صالح المطلك ذريعة مهمة لكي يبرر انشقاقه عن جبهة المعارضة، والتحاقه بركب المالكي والبقاء في حكومته، وعدم مقاطعتها كما فعل رفاقه  السابقون في القائمة العراقية.
وعليه، لم يكن مستغرباً اعتبار القائمة العراقية العربية، وهو الاسم الذي اختاره المطلك لفريقه السياسي المنشق عن القائمة العراقية بزعامة اياد علاوي، ان التعديل الجديد لقانون المساءلة والعدالة سينصف الآلاف من المتضررين من جراء هذا القانون.
واكدت القائمة بأن «اقرار هذا القانون يؤكد صحة وجودنا في الحكومة في هذه المرحلة الحساسة من اجل تحقيق المطالب المزعومة».
واكثر من ذلك، ذهب المطلك نفسه في الترويج لاهمية هذا التعديل لهذا القانون الى حد الزعم بأن «التعديل» الحاصل يسمح بإعطاء حق للفرق في حزب البعث المنحل، بتولي المناصب الحكومية شرط ان يكونوا من ذوي الاختصاص والكفاءة.
وعليه، فإن المطلك يهيىء نفسه ليرث الزعامة الكبرى للسنة في العراق، من داخل لعبة الحكم وبمشاركة المالكي، ولا سيما بعد ان اطيح اثنان من ابرز المنافسين له على هذه الزعامة وهما نائب الرئيس العراقي السابق طارق الهاشمي الذي صار طريد العدالة العراقية ويلوذ بحمى الاتراك في اسطنبول، ووزير المال المستقيل العيساوي المتهم بالمشاركة في اعمال وممارسات ذات طابع ارهابي.

مكاسب سياسية
وعليه، فهو يتصرف تصرف المحقق لمكاسب سياسية لشريحة من سكان العراق ومعتبراً ان هذه المكاسب المستجدة تزيل حيفاً وظلماً لحق بهذه الشريحة، وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على ان المالكي بدأ نهجاً جديداً حيال خصومه وحلفائه على حد سواء، فهو ولدعم حليفه الجديد المطلك، اقر التعديل القانوني رغم اعتراض حليفين اساسيين له في الساحة الشيعية وهما: المجلس الاسلامي الاعلى في العراق بزعامة عمار الحكيم والتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر.
اما الامر الثاني فهو مسألة الانتخابات المحلية التي صمم المالكي على اجرائها في 22 محافظة مستثنياً محافظتين فقط هما الانبار ونينوى.
والواضح ان المالكي شاء ان تكون هذه الانتخابات مدخلاً ليحقق ثلاثة مكاسب في آن واحد.
– فهو يريد ان يثبت للرأي العام ان العملية السياسية الديموقراطية بكل محطاتها سائرة في العراق.
– هو يريد ان يكسب هذه الانتخابات من خلال نجاح مرشحي حزبه ومن خلال مرشحي القوى الحليفة له، علماً بأنه في اخر انتخابات من هذا النوع، والتي جرت قبل نحو 4 اعوام سجل حزبه تقدماً ملحوظاً قياساً الى بقية القوى في الساحة الشيعية العراقية، وهو ما مهد لتكريس تقدمه هو شخصياً على خصومه وحلفائه على المستوى السياسي، وعزز بالتالي حضوره على اعلى المستويات.
– وعلى ما يبدو فإن خصومه لن يسمحوا له بتحقيق نصر سهل، فهم سيسعون حثيثاً الى التشكيك بنزاهة العملية الانتخابية ولا سيما السماح لعناصر القوى الامنية بالمشاركة في هذه الانتخابات معتبرين ان هذا الامر هو الذي سيمكنه من تحقيق الفوز المبين له، فضلاً عن ان خصومه سيظلون على موقفهم المعارض لاستثناء محافظتي نينوى والانبار من اجراء الانتخابات فيهما. والتحدي الذي يواجه المالكي على هذا الصعيد ليس اجراء الانتخابات المحلية وحسب، بل رفع نسبة المشاركة فيها.
– واما المسألة الثالثة، فهي المتصلة بمستقبل العلاقة بين المالكي واربيل.
المعلوم ان هذه العلاقة تمر بمراحل متنوعة فهي تارة تعود الى طبيعتها التاريخية، وطوراً اخرى تبدو فيها مضطربة وعلى حافة الانهيار والقطيعة.

ابتزاز ومناورة
والواضح حسب المعطيات المتوافرة ان كلا الطرفين يمارسان سياسة الابتزاز والمناورة على الاخر، وخصوصاً الفريق الكردي. ففي الآونة الاخيرة وقبيل بدء المحادثات بين وفد اقليم كردستان والتحالف الوطني العراقي بوقت قصير، كان الفريق الكردي يعلي صوته في وجه المالكي والتحالف، اذ وجهوا رسالة الى المالكي يخيرونه فيها بين ما اسموه «الشراكة او فضها».
ويذهب رئيس اقليم كردستان العراق مسعود البرزاني الى حد القول بلهجة تصعيدية ان الاكراد ليسوا مستعدين للعيش تحت الظلم والاستبداد.
ورغم قساوة لهجة البرزاني، فإن العارفين بخفايا العلاقة بين المالكي والائتلاف الكردستاني، ما برحوا على قناعتهم بأن الامور لن تذهب الى حد القطيعة بين الطرفين، وان كانت عملية اعادتها الى سالف عهدها باتت دونها عراقيل وحسابات شديدة التعقيد لدى الطرفين معاً.
فالمعلوم ان الطرفين ما برحا يستشعران الحاجة الى بعضهما البعض، حاضراً ومستقبلاً، فثمة قواسم متعددة ومصالح كثيرة تجمعهما. فالطرف الكردي يحتاج الى المالكي وحلفه السياسي بغية الحصول على العديد من المطالب ولا سيما في المناطق الجغرافية المتنازع عليها اي التي يطالب الاكراد بها بصفتها جزءاً تاريخياً من اقليمهم، اضافة الى مسائل النفط استخراجاً وتصديراً وتعاقداً مع شركات ودول خارجية.
وفي المقابل، فإن المالكي وفريقه السياسي صاروا اكثر قناعة بأهمية استمرار التحالف مع الطرف الكردي، خصوصاً بعد انفجار الصراع مع اطراف المعارضة الاخرى وتحديداً في محافظات الوسط، وبالتالي بأهمية ايجاد صيغة تحالفية تنطوي على مقومات الاستمرارية.

ابرهيم بيرم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق