سياسة لبنانية

حكومة مصغرة تشرف على الانتخابات وترحل

لماذا تم اختيار تمام سلام وباجماع القوى السياسية رغم الاختلافات الحادة القائمة بين اطراف الاصطفاف السياسي 8 و14 اذار؟ وكيف اتفق فريقا الصراع على تسميته، بعدما كانت قوى 8 اذار تتجه الى اعادة اختيار الرئيس نجيب ميقاتي لتشكيل حكومة انقاذ وطني؟

يقول رئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي انه اقدم على خطوة الاستقالة لاحداث صدمة ايجابية تؤدي الى تحريك الاوضاع الراكدة واخراج لبنان من حال الجمود المسيطرة عليه، اضافة الى خلط الاوراق من خلال كسر الاصطفاف السياسي الحاد وايجاد تحالفات سياسية جديدة، اكد على حصولها النائب وليد جنبلاط بالاعلان عن قيام الجبهة الوسطية، كما اشار الى ذلك الرئيس نبيه بري في الكلمة التي القاها بعد اجتماع كتلة التنمية والتحرير التي سمت تمام سلام، فتحدث عن اكثرية سابقة ومعارضة سابقة ودعا الى الارتقاء في السياسة الى المصلحة الوطنية، لافتاً الى اتجاهه نحو الوسطية، كما اعلن الرئيس المكلف انه في كتلة الوطن، وانه مستقل متحالف مع كتلة لبنان اولاً ومع قوى 14 اذار.
احدثت استقالة ميقاتي الصدمة الايجابية المرجوة، فالاشارات واضحة لجهة بوادر التغيير من خلال  الاجماع حول تسمية تمام سلام، وهدوء الخطاب السياسي والابتعاد عن شحن الاجواء والتزام الجميع الاستقرار والهدوء، الى حال الاسترخاء الاقتصادي والمالي، كل هذه العوامل عكست اجواء التغيير في المنطقة. لقد شعرالرئيس ميقاتي بأن المرحلة المقبلة حبلى بالتطورات، وقد تتعرض الساحة اللبنانية الى ضغط خارجي بسبب مواقف حزب الله وتورطه في اكثر من ساحة «بأعمال ارهابية» وفق المصادر الديبلوماسية، ومشاركته في المعارك في سوريا الى جانب النظام، وارتفاع المطالبة الخارجية باعتباره «تنظيماً ارهابياً»، يضاف الهاجس الاساس وهو الوضع الاقتصادي وحتى المالي في ظل الانكفاء العربي، والحظر المفروض على الرعايا العرب للمجيء الى لبنان، وركود نهضة الاستثمار في لبنان بعد احجام رجال الاعمال، لا سيما العرب، عن المجيء في ظل حكومة «حزب الله» كما اطلق عليها التسمية مسؤول عربي، والمخاوف الامنية بعد تكاثر اعمال الخطف الابتزازية للحصول على فدية.

تغيير اساسي
تبين من المعطيات الخارجية ان المنطقة مقبلة على تغيير اساسي بعد تصدع مشروع الممانعة والمقاومة، وبعد محاصرة ايران بالعقوبات الاقتصادية التي تركت تداعياتها في الشارع الايراني، واحدثت موجة اعتراض بين الايرانيين، يضاف اليها الخلاف المستحكم بين مرشد الثورة اية الله خامينئي، والرئيس الايراني محمود احمدي نجاد، وتقرّب المرشد من جناح الرئيسين السابقين محمد خاتمي، وعلي رفسنجاني لمواجهة نجاد في الانتخابات الرئاسية في حزيران (يونيو). تزامنت هذه التطورات مع بروز تقدم على صعيد الملف النووي، ووعدت ايران في اجتماع الما اتى باعطاء اجوبة ايجابية على الاسئلة المقدمة ترجمة للرغبة الايرانية بالتعاون مع المجتمع الدولي والمؤسسات التي ترعى الملف النووي بغية تخفيف القيود الاقتصادية.
اتضح لايران ان المفاوضات الروسية – الاميركية بشأن الملف السوري انطلقت للوصول الى تسوية للازمة والى حل بوقف اعمال العنف، يدعو الاطراف الى المباشرة بحوار بين ممثلي المعارضة والنظام. واحرزت الاتصالات الجارية الان بعيداً عن الاضواء بين موسكو وواشنطن تقدماً وان الاستعدادات قائمة للقمة الروسية – الاميركية المتوقعة مطلع الشهر المقبل والتي قد تعيد توزيع النفوذ في المنطقة وترسم خريطة طريق للمرحلة المقبلة. واعتبرت اوساط دبلوماسية ما يجري في العراق مؤشراً اساسياً، بعدما ابلغ وزير الخارجية  الاميركي جون كيري المسؤولين العراقيين، بوجوب حسم موقفهم: فاما هم يعملون للمشروع الايراني في المنطقة ويؤمنون التواصل بين طهران ودمشق، واما ان العراق هو في المعسكر الآخر، وموقفه يضع حداً لما يتردد عن الهلال الشيعي من ايران الى جنوب لبنان مروراً بالعراق وسوريا.
تركت المعطيات الخارجية تداعياتها على الساحة اللبنانية، وتأكدت قيادات 8 اذار ان اجواء الانقلاب الذي قادته عام 2011 على حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري انتهت، وحلت محلها اجواء مغايرة جديدة ادت الى قيام انقلاب مضاد على انقلاب 2011، خصوصاً ان المؤشرات في المنطقة تدل الى ذلك. والمعلومات الواردة الى بعض الاطراف المحلية تتحدث عن تغييرات جذرية سيكون لها تأثيرها على لبنان. لم يعتقد حزب الله ان ميقاتي قد يستقيل بسبب عدم تمديد ولاية اللواء اشرف ريفي سنتين في قوى الامن الداخلي. وعندما قال ميقاتي لمسؤول: في الحزب انه اذا لم تسو قضية ريفي سيستقيل فلا يمكنه  ان يتحمل رفض التمديد، رد المسؤول «اعمل ما يريح ضميرك». فاستقال وفوجىء الحزب بالخطوة وقد اربكته كما تقول اوساط وزارية لانه لم يكن يتوقع ان يقدم ميقاتي على هذه الخطوة، ولم يكن مستعداً لها في عز التطورات. وتقول اوساط في 14 اذار ان الحزب حاول فتح صفحة جديدة مع المستقبل ووجه رسائل الى الرئيس الحريري للعودة لبدء التفاوض، الا ان اوساطاً في المستقبل رأت ان الامور لم تنضج بعد لاجتماع الرئيس سعد الحريري مع الامين العام لحزب الله حسن نصرالله، وان كان الحريري من المراهنين على مثل هذا التقارب لانه يسهم في تنفيس الاحتقان في الشارع السني ويبعد شبح الفتنة، ويعزز قوى الاعتدال على الساحة.

ارباك 8 اذار
اربكت استقالة ميقاتي قوى 8 اذار والتي اكتشفت انها خسرت الحكومة وفقدت الاكثرية بعد تموضع جنبلاط الى جانب الرئيس سعد الحريري وتبني الشخصية التي اختارها وهي شخصية غير صدامية يصعب على اي طرف رفضها، من هنا كان الاجماع على تمام سلام لتشكيل الحكومة. واعتبرت الخطوة رداً على ما تعرض له دار سلام اثناء الوصاية السورية ويقول احد المتابعين ان جنبلاط ساير الحزب عندما اشترط تشكيل حكومة وحدة وطنية معلناً عدم اعطاء الثقة لحكومة لا يتمثل فيها الحزب، وفي هذا السياق يكشف ديبلوماسي عربي ان حزب الله لن يشارك في الحكومة وفق قراءة واضحة له لطبيعة المرحلة، على ان يحظى هذا الانكفاء بغطاء محلي بعد تورطه في المعارك في سوريا والخوف من ان تكون لهذه المشاركة تداعيات على الساحة، وقد تشهد المنطقة تطورات مهمة بدءاً من سوريا لانهاء الحرب والدخول في حوار للوصول الى حل، والى ضبط الايقاع في المنطقة بعد انتشار الاصوليين والمتطرفين والنصرة. فهناك معطيات جديدة ومتغيرات حتمت عودة السعودية الى الامساك بزمام القرار السياسي في لبنان ورعايته، وقد اعلن السفير السعودي ان المملكة على مسافة من جميع الاطراف. وقد يعود التلاقي بين اللبنانيين والحوار لاكمال البحث في الاستراتيجية الدفاعية انطلاقاً من الرؤية التي وضعها الرئيس ميشال سليمان، وجاء اعلان بعبدا ليكمل الرؤية الرئاسية من خلال الافادة من قدرات المقاومة في مواجهة العدو بانتظار اكتمال تجهيز الجيش، بعدما وفرت الحكومة خطة خمسية لتزويد الجيش بما يحتاجه من عتاد. وعلى رغم الخلاف حول طبيعة الحكومة بين سياسية وحيادية تشرف على الانتخابات، اعلن الرئيس المكلف انها ستكون حكومة المصلحة الوطنية للاشراف على الانتخابات والاهتمام بشؤون الناس وقد يستعين الرئيس المكلف بالصيغة التي لجأ اليها والده المرحوم صائب سلام في اول عهد الرئيس سليمان فرنجية عندما شكل «حكومة الشباب» من غير السياسيين، وضمت طاقات لبنانية متخصصة، كل ضمن نطاق وزارته وكانت حكومة انتاج. ويقول الرئيس سلام امام زواره: «لا تستعجلوا الخطوات، و«لا تحرقوا المراحل وبعد الاستشارات والاستماع الى آراء ومواقف الكتل اكوّن صورة الحكومة» التي يبدو انه يريدها  وسطية (14) لتشرف على الانتخابات.

فيليب ابي عقل

العدد ٢٧٩٢ الاثنين ١٥ نيسان (ابريل) ٢٠١٣ / ٥ جماد الثاني ١٤٣٤

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق