رئيسيسياسة عربية

وفد رفيع من «حماس» فجأة في القاهرة

ابرز قيادات حركة «حماس» وفي مقدمها رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة اسماعيل هنية ورئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل، وفدت الى القاهرة في نهاية الاسبوع الماضي. وسارت تكهنات حول معاني الزيارة الا ان مسؤولاً في «فتح» حسم الجدل واوضح الامر.

الخبر كان مفاجئاً ومثيراً للاهتمام، ان لجهة حجم الوفد الزائر، وان لجهة توقيت الزيارة لدرجة ان بعض المهتمين بالشأن الفلسطيني ادرجه فوراً في خانة المصالحة بين حركتي «فتح» و«حماس» التي بدأت عملياً باجتماعات في مطلع السنة الجارية في العاصمة المصرية، وبرعاية من القيادة المصرية الحالية، الا ان قيادة حركة «فتح» ما لبثت ان نفت على لسان المسؤول عن ملف المصالحة فيها عزام الاحمد علمها بأي موعد لاي لقاء يندرج في سياق لقاءات المصالحة، مشيراً الى ان المحطة المقبلة هي في العاشر من نيسان (ابريل) الحالي حيث يفترض ان تعلن اللجنة المركزية المولجة اعداد قوائم الانتخابات العامة المقبلة مبدئياً فور انتهاء عملها لتبدأ بعد ذلك المرحلة المقبلة اي مرحلة التحضير لحكومة مؤقتة مهمتها الاعداد لاجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والاشراف عليها.
وبناء على ذلك، تبين من مسار ولقاءات وفد «حماس» مع المسؤولين المصريين (الاجتماعات كانت بين مشعل والمسؤول العام في المخابرات العامة المصرية) ان الزيارة تندرج تماماً في سياقات اخرى، هي سياقات تتصل بمستقبل العلاقة بين الحركة والقيادة المصرية من جهة، وبالدور الذي تقوم به هذه القيادة بين «حماس» والمسؤولين الاسرائيليين من جهة اخرى.
فالمعلوم انه منذ فترة، برزت في الافق مؤشرات جلية تدل على وجود تباينات في الرؤى بين القيادة المصرية وقيادة حركة «حماس» رغم ان كلتا القيادتين تتبنيان العقيدة والرؤية الفكرية الاسلامية الاخوانية نفسها.
وفي الآونة الاخيرة تجلت ذروة التناقضات في مسألة الانفاق الموجودة بين صحراء سيناء وقطاع غزة، والتي يتوسلها سكان غزة وقطاعها شرياناً حيوياً لايصال السلع والمؤن والادوية والكماليات وحتى الاسلحة.
والمعروف ان السلطات الامنية المصرية باشرت في اغراق عدد من هذه الانفاق بالمياه، فيما كانت «حماس» تتخوف من ان يشمل هذا الاجراء باقي الانفاق.

فتح المعابر
اضافة الى ذلك، برزت ايضاً تعارضات حول فتح المعابر ومسائل امنية اخرى تتصل بأنشطة مجموعات وخلايا مسلحة داخل صحراء سيناء، وثمة في السلطة المصرية من يعتقد بأن لبعضها صلات وروابط خفية معلنة بحركة «حماس» خصوصاً ان المصريين كانوا اشاروا سابقاً بأصابع الاتهام الى عناصر مسلحة لها علاقة بـ «حماس» كانت هاجمت مركزاً للشرطة المصرية وقتلت عدداً من عناصره قبل نحو عام ونصف العام.
وعموماً كان الطرفان بحاجة الى تنظيم العلاقة وتنسيق الرؤى بينهما حيال الوضع الشائك والخطير والمتعدد الاوجه على الحدود بين غزة وسيناء، واستطراداً مصر، فضلاً عن تنظيم العلاقة التي ظهرت مراراً وتكراراً وخلال محطات ومناسبات متعددة، انها لم تكن سوية بين الطرفين، لا سيما وان «حماس» وقاعدتها رفعتا الصوت مراراً بشكوى من ان الوضع على الحدود بين غزة ومصر لم يشهد فارقاً كبيراً بين ما كان عليه ابان حكم الرئيس السابق حسني مبارك والحكم الحالي.
ووصفت السلطات المصرية التظاهرات والاعتصامات الاحتجاجية التي نظمها جمهور فلسطيني قادم من غزة وقطاعها الى الحدود في رفح، في خانة حركة «حماس» كونها هي التي تقبض على زمام الاوضاع في غزة وقطاعها منذ اعوام وتبسط سلطتها التامة عليهما.
اضافة الى ذلك، فإن الملف الثاني الذي تناولته محادثات الوفد القيادي لحركة «حماس» مع المسؤولين المصريين، كان ملف اعادة ترتيب قيادة هذه الحركة.
فالمعلوم ان مشعل الذي يعد القيادي الابرز للحركة في الخارج، كان اعرب مراراً عن رغبته في التخلي عن المنصب الذي يشغله منذ اكثر من عقد من الزمن، لافساح المجال امام شخصية اخرى، الا ان التطورات المتسارعة في الآونة الاخيرة ولا سيما بعد الخروج النهائي لمشعل من دمشق اثر اندلاع الاحداث الدامية في الساحة السورية، فرضت تأجيلاً لمسألة تبديل القيادة في حركة «حماس» مع العلم انه بدأت قبل فترة تتردد في الاوساط السياسية والاعلامية اسماء عدة مؤهلة لخلافة مشعل.

واقع جديد
لكن رياح الاوضاع والتطورات، فضلاً عن حساب المستجدات السياسية، فرضت واقعاً جديداً عنوانه ضرورة ابقاء مشعل في منصبه الحالي.
وهذا التوجه الذي تتشاطر فيه قيادة الحركة نفسها، اضافة الى القيادة المصرية، فرضته حاجة «حماس» الى خبرة مشعل وعلاقاته في هذه المرحلة بالذات، خصوصاً ان الرجل الذي كان مقره الدائم في سوريا لاكثر من عشرة اعوام، صار اليوم على صلة بكل العواصم العربية الاخرى، وفي مقدمها قطر اضافة الى القاهرة، فضلاً عن ان مشعل اضحى رمزاً ليس لحركة «حماس» فحسب، بل لكل الفلسطينيين.
لذا، فإنه من المرجح ان تعلن حركة «حماس» خلال فترة قصيرة عن اعادة تثبيت «ابو الوليد» في منصبه لولاية اخرى، لا سيما ان المؤشرات تدل على ان القيادي في الحركة والذي كاد ان يصبح قبل اعوام شهيداً بعدما سممه الاسرائيليون بالزئبق ابان وجوده في الاردن، قد تخلى تحت ضغوط شتى عن قراره بالتنحي عن منصبه افساحاً في المجال امام عملية تداول السلطة في الحركة التي اضحت رقماً صعباً، ونافست حركة «فتح» اعرق الفصائل الفلسطينية رغم حداثة نشأتها قياساً الى الفصائل الاخرى التي تعود ولادتها اما الى نهاية الستينيات او مطالع السبعينيات من القرن الماضي.
وثمة حسب المعطيات والمعلومات ملف اخر تتولى السلطة المصرية رعايته منذ ان نظمت اتفاقاً لوقف اطلاق النار وهدنة بين «حماس» والاسرائيليين قبل اشهر عدة بعد الحرب الاسرائيلية الاخيرة على غزة، وهو ملف اعادة ترتيب العلاقات بين الحركة من جهة والجانب الاسرائيلي من جهة اخرى.
فمنذ تلك الحرب، ضربت السلطات الاسرائيلية بعرض الحائط العديد من التعهدات التي اعلنت سابقاً التزامها بها امام السلطات المصرية في الشأن الفلسطيني.
فهي على سبيل المثال، اعادت تضييق المجال البحري على صيادي الاسماك في غزة وقطاعها، بعدما كانت تعهدت بالسماح لهم بالابحار عميقاً في البحر قبالة شاطىء غزة.

اعتقالات
اضافة الى ذلك، اعادت اعتقال العشرات من الاسرى الفلسطينيين في الضفة الغربية الذين كانت قد اطلقت سراحهم بناء على اتفاقية التبادل التي جرت واطلقت «حماس» بموجبها الجندي الاسرائيلي الذي كان اسيراً لديها لاعوام عدة جلعاد شاليط، الى جانب خروقات وتجاوزات اسرائيلية عدة، مما دفع بحركة «حماس» الى الالتجاء مجدداً الى القاهرة.
وبالفعل، ففي الوقت الذي كانت المحادثات والمناقشات جارية بين وفد «حماس» من جهة ومع المسؤولين الامنيين المصريين من جهة اخرى، كان وفد عسكري اسرائيلي يصل الى القاهرة.
ورغم ان حركة «حماس» نفت ان تكون حملت الجانب المصري اية رسالة الى الجانب الاسرائيلي، الا ان القاهرة اخذت على عاتقها العمل على ترطيب الاجواء وتقليص حجم التناقضات بين الجانب الاسرائيلي من جهة، وحركة «حماس» من جهة اخرى.
وثمة بطبيعة الحال من يسأل عما اذا كانت القيادة المصرية قد ولجت مرحلة التفكير الجدي لايجاد قنوات تواصل مباشرة او غير مباشرة بين حركة «حماس» والجانب الصهيوني، توطئة الى ابعد من ذلك في المقبل من الايام؟
الواضح ان الوعود العربية بالانفتاح على حركة «حماس» والتي اتت في اعقاب الحرب الاسرائيلية الاخيرة على غزة، لم تتحقق بعد ولو في حدها الادنى، لا بل ان الرئيس الاميركي باراك اوباما شن في زيارته الاخيرة الى اسرائيل والى رام الله انتقاداً شديداً الى حركة «حماس» محملاً اياها مسؤولية الوضع البائس الذي يعيشه سكان غزة وقطاعها، مما عُد رسالة سلبية لكل من يعنيهم الامر.

وضع مميز
وعليه يمكن القول بأنه ما زال من المبكر بالنسبة الى جميع المعنيين ان يفكروا بمرحلة جديدة يتم فيها الاعتراف الغربي بحركة «حماس» كشريكة اساسية في القرار الفلسطيني، فضلاً عن ان الحركة نفسها ليس في مقدورها الان ان تقدم اية تنازلات تجعلها تحظى بالقبول الغربي.
لكن ذلك على اهميته لا يعني اطلاقاً ان القيادة المصرية لن تستمر في اسدال رعايتها على حركة «حماس» وفي اعطائها وضعاً مميزاً في القاهرة.
وبالطبع ثمة امر اخر طارىء استدعى زيارة وفد «حماس» الى القاهرة، وهو مسألة القمة العربية الطارئة المخصصة للمصالحة الفلسطينية – الفلسطينية والذي وافقت عليه القمة العربية الاخيرة في الدوحة بناء على اقتراح من قطر نفسها.
فالمعلوم ان الدعوة الى هذه القمة التي لم يتحدد موعدها بعد ولّدت مشكلة فلسطينية – فلسطينية لا سيما بعدما رفضت السلطة الفلسطينية الا ان يشارك رئيسها محمود عباس لوحده في هذه القمة الموعودة باعتباره ممثلاً لجميع الفلسطينيين، فيما رحبت حركة «حماس» بالدعوة الى القمة.
وعليه، فإن القاهرة اثارت هذا الموضوع مع وفد «حماس» بغية الحيلولة دون ان يكون عائقاً جديداً امام مسار المصالح.

ا. ب
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق