دولياترئيسي

لعنة تلاحق رؤوس صندوق النقد الدولي

كأن لعنة تلاحق، منذ سنوات رؤوس صندوق النقد الدولي، في خضم الازمات المالية والاقتصادية، التي يتخبط فيها العالم. وليس بسبب معدلات التضخم وميزان المدفوعات، وكلفة عمليات الانقاذ. ومن المؤكد ان آخر ما تحتاجه هذه المؤسسة، التي اعتادت على السهر على النظافة والشفافية في تعامل حكومات العالم، مع الشؤون المالية والاقتصادية، هو ان تصيب سهام الشك والتشكيك رؤوسها، وهذا هو الذي يحصل الآن مع مديرة الصندوق، الفرنسية كريستين لاغارد.

اللعنة تتوالى منذ سنتين. ففي الاسبوع الماضي، تحدثت كل وسائل الاعلام في العالم، عن ان الشركة المالية الفرنسية، قامت بعملية تفتيش في منزل كريستين لاغارد الباريسي، مما تسبب في اثارة تساؤلات من نوع: ماذا كانت تسعى وراءه الشرطة الفرنسية، في منزل مديرة صندوق النقد الدولي؟!
الحقيقة ان القصة قديمة، وتتعلق بقضية تعود الى سنة 2007، بطلها رجل اعمال حوله علامات استفهام عديدة، اسمه برنار تابي، مع مصرف كريدي ليونيه، ممثلاً الدولة الفرنسية عهدئذ. وكانت كريستين لاغارد، وزيرة للاقتصاد، فتدخلت واعتمدت لجنة تحكيم خاصة، بدلاً من القضاء، لحل المشكلة – الخلاف، وانتهى الامر باقرار 285 مليون يورو، لبرنار تابي، في عملية بيع شركة آديداس، الى المجموعة المصرفية. وعرفت القضية بـ «فضيحة برنار تابي».
وما يسعى المحققون الى ايضاحه، هو اي نوع من الضغوط مورست على اعضاء لجنة التحكيم، لمصلحة برنار تابي، واذا كانت لاغارد، مارست نفوذها لدى لجنة التحكيم لمصلحة رئيس نادي اولمبيك – مرسيليا، برنار تابي، على حساب البنك. ويعتبر هذا التطور، تسريعاً في تطورات الفضيحة السياسية والاقتصادية، التي قد تنعكس كذلك، على نيقولا ساركوزي. وتروي جريدة لو موند، ان تابي كان التقى مرات عدة بساركوزي، عهد كان وزيراً للداخلية، ورئيساً للجمهورية (2007 – 2012)، ودعمه بصراحة، في معركتي 2007 و2012 الرئاسيتين.
وكشفت الوقائع، ان ساركوزي، استقبل كذلك اكثر من مرة، بيار مازو، احد اعضاء لجنة التحكيم الثلاثية.

تفتيش منزل تابي
وكان القضاء امر في 24 كانون الثاني (يناير) الماضي، بتفتيش منزل برنار تابي والمستشار المفوض في شركة فرانس تليكوم،. ستيفان ريشار، الذي كان عهدئذٍ مديراً لمكتب لاغارد بينما اكد محامي مديرة صندوق النقد الدولي، ان «ليس لديها ما تخفيه».
وتسلل عنصر جديد الى هذا الحوار المثير، عنصر اكثر اثارة، في رسالة غير موقعة، ولكنها تحمل رمز وزارة المالية الفرنسية، تلقاها الزعيم الوسطي، فرنسوا بايرو، تقول الرسالة، بعدم اعتبار كريستين لاغارد مسؤولة لان التحكيم فرضه نيقولا ساركوزي نفسه، وجان لوي بورلو، الذي تولى وزارة المالية، بين ايار (مايو) وحزيران (يونيو) 2007.
كريستين لاغارد، اعتبرت نفسها، ضحية حملة منظمة، وكانت دول الصندوق، وافقت على تعيين، هذه المحامية المتخصصة في الشؤون المالية، بالرغم من معرفتها، انها ستخضع لتحقيق قضائي.

ملاحقة ساركوزي
وعاد هذا الماضي اياه، ليشد نيقولا ساركوزي من سترته، ويعيده الى حالة الانسان العادي، المجبر على تصفية حساباته مع العدالة، بعد ان نزل عن سدة الرئاسة، واتهمه قاضي التحقيق في مدينة بوردو، باستغلال ارادة امرأة عجوز، ليست سوى ليليان بيتانكور، وريثة امبراطورية لوريال، لادوات التجميل، التي تصنفها مجلة «فوربس»، اغنى امرأة في العالم.
انها لقصة حب وحقد وانتقام، بين ام وابنتها، وشخصيات سياسية وغير سياسية استغلت ضعف العجوز الغنية، فابتزتها. وظهر في لائحة المستفيدين، رئيس جمهورية فرنسا السابق نيقولا ساركوزي، لتحويل معركته الانتخابية في سنة 2007، بمساعدة وزيره السابق، اريك وورث، الذي كان يشغل، في ذلك الوقت، مهام المدير المالي لمعركته الانتخابية.
وليس ساركوزي، اول رئيس فرنسي، تلاحقه العدالة، فقد سبقه جاك شيراك، الذي ادين بتمويل حزبه في صورة غير شرعية، في التسعينيات، وحكم عليه بالسجن سنتين، مع وقف التنفيذ. ولكن الفارق، هو ان جاك شيراك، انهى حياته السياسية، بينما يستمر اصدقاء نيقولا ساركوزي، في نشر اخبار عن امكانية، عودته الى المسرح السياسي، في افق انتخابات 2017 الرئاسية. ولكن من شأن محاكمة قضائية، وادانته، ان تضعا حداً نهائياً لحلم العودة.
فقاضي التحقيق، في مدينة بوردو، اجرى مقابلات بين ساركوزي، مع الخدم في منزل آل بيتانكور، فأكد ساركوزي، انه لم يزر البيت، الا مرة واحدة، بينما تحدثوا هم عن مرات، اجتمع خلالها بصاحبة المليارات العجوز.
ولهذا التفصيل اهميته، لان قاضي التحقيق، يعتبر ان الزيارات المتكررة، انما كانت ترمي الى ابتزاز اموال لتغذية معركته الانتخابية، في صورة غير شرعية، ما دام القانون يسمح لكل مواطن، بالتبرع، للاحزاب السياسية، بمبالغ لا تزيد على 7500يورو.
وشكلت التسجيلات الصوتية، التي حققها رئيس الخدم، لبعض الاحاديث مع الزوار، وتنقلات الرساميل على حسابات جارية، في فرنسا وفي الخارج، وبعض اقوال الشهود، تفاصيل افادت مجرى التحقيق، بينما انتهى في السجن عدد من الناس استغلوا قلة وعي، صاحبة المليارات  العجوز فتشابكت مشاكلها الخاصة وصراعاتها مع ابنتها، مع قصص سياسية. ويذكر ان زوج ليليان بيتانكور، الذي مات في سنة 2007، شغل اكثر من مرة، مواقع وزارية في عهدي شارل ديغول وجورج بومبيدو، وتميزت عائلتها، منذ دائماً بعلاقتها الوثيقة مع اليمين الفرنسي.

اتهام لاغارد
وبالرغم من ان العلاقة بين برنار تابي واديداس وكريديه ليونيه، كانت بدأت منذ عهد الرئيس الاسبق فرنسوا ميتران، الاشتراكي، الذي عيّن تابي، وزيراً، فان المعارضة، التي كانت اشتراكية في عهد ساركوزي، اتهمت السيدة لاغارد بتقديم خدمة لرئيس نادي اولمبيك – مرسيليا، الذي كان تحول الى التحالف مع ساركوزي.
كريستين لاغارد، بررت تصرفها، بان حلاً توافقياً، كان اقل كلفة من مواجهة قضائية، ورأى محاميها، ان القضية ليست اكثر من مناورة سياسية، وفي الانتظار، لم تنعكس القضية على اعمال المجلس التنفيذي، في صندوق النقد الدولي الذي كان على علم مسبق بالملف.
ولكن الشيء عينه، لم يحصل مع سلفها، لان المجلس التنفيدي لم يكن على علم، بعمق غرائز المدير السابق، دومينيك شتراوس. فكانت النتيجة ان تهمة الاعتداء الجنسي على احدى موظفات الفندق الذي كان ينزل فيه، في نيويورك، حوّلت الشخصية الاشتراكية الفرنسية الذي كان صاحب الحظ الاوفر لمنافسة ساركوزي على رئاسة الجمهورية، في سنة 2012، والفوز عليه، الى اول مدير لصندوق النقد الدولي يجري تصويره، مكبّل اليدين بالأصفاد، وفي خضم ازمة مالية عالمية خانقة.
ولم تكن تلك التجربة الاولى، من هذا النوع، التي تضرب رأس صندوق النقد الدولي، فكان سبقه الى الاستقالة، رودريغو راتو، من مديرية الصندوق لاسباب «شخصية». وجاءت القضية المستجدة مع القضاء الباريسي، تخرق هدنة اعتقد صندوق النقد الدولي، انها مستمرة.

جوزف صفير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق