معارض

رياض نعمة يسأل: «اطفالنا… لوين»؟

حين يقسو علينا الحاضر كثيراً لدرجة ان ينجح في تيئيسنا ويحرمنا لقتامته حتى من التأمل بغد افضل، من الطبيعي ان  نهرب ونلتجىء الى ما اختزنته ذاكرتنا من ايام حلوة هانئة في الماضي. ولعل  الجزء الاكثر نقاوة وحقيقة وعذوبة نجده في ذكريات الطفولة، وهذا بالضبط ما ذهب اليه الفنان العراقي رياض نعمة من خلال معرضه «اطفالنا… لوين» في صالة ذي فنيو في اسواق بيروت الذي افتتح بالتزامن مع عيد الطفل، فكان بمثابة رسالة لاسترجاع ذاكرة الاطفال التي لم تزل تحتفظ بها الجدران وللتفكير في مستقبل هؤلاء الصغار الذين يعيشون اجواء الحروب.

يتمحور المعرض – الذي ضم 40 لوحة بالاكريليك وبمواد مختلفة – حول الجدران التي حفظت خربشات الاطفال ورسوماتهم وصخبهم وضحكاتهم، هذه الفئة عرضت  الى جانب مجموعة من البورتريهات العائدة الى اشخاص من محيط الفنان، ويحتوي المعرض على تجهيز لخيمة على غرار خيم اللاجئين لكن قماش الخيمة هنا مصنوع من ملابس الاطفال ذاتها مما يدل على قدر البؤس المعاش.

الطفولة المسالمة
قال رياض نعمة لـ «الاسبوع العربي» انه بحث عن الطفولة المسالمة التي لم تزل مطبوعة على الجدران التي كان يتسلقها الصبية وهو معهم، كاشفاً انها ذكريات من طفولته التي تشبه برأيه طفولة كل الاولاد في العالم العربي والتي تشمل اللعب على الدراجات الهوائية وغيرها، ولانه يؤمن بأن اثر مرور الناس والاولاد تحديداً لم يزل مطبوعاً على الجدران، وان احلام الدراجات الهوائية لم تزل تحلق بالفضاء ورائحة المطر الممزوجة بالطين، وكذلك ملمس ايادي الاطفال البريئة، لانه يؤمن بأنه من كل هذه المفردات تتشكل حياتنا، حاول رياض نعمة ان يستحضر حركات الطفولة وذاكرة حركة الاطفال على سطح اللوحة، من خلال المزج بين تقنية الرسم والطباعة بالشبكة الحريرية «السيلك سكرين».
ويشرح ان اختياره لهذه التقنية  كان للحصول على تقنية الصورة بكل تفاصيلها الفوتوغرافية والتلفزيونية التي تصلنا عبر وسائل الاتصال الحديثة.

الحاضر يطل على الماضي
في الواقع، حين نتأمل اللوحات المعروضة يلفتنا اولاً اجتماع المتناقضات  في كل اللوحات: الصخب والهدوء، السلام والحرب، اثار الدمار والآلات الموسيقية، الا ان الالوان المستعملة كلها قوية صارخة، وان كانت الغلبة للاحمر الذي يعبر عن العنف والدم. فاللوحة الواحدة تحمل كلها اكثر من مشهد بل مشهدين او ثلاثة او اكثر ونجد في اللوحة الواحدة زمنين: الماضي والحاضر او شخصيات من الحاضر تطل على الماضي، وفي كل اللوحات جعل الفنان الجدار سميكاً جداً، اي الجدار الفاصل بين رسومات الطفولة والواقع القاسي المتمثل بالحروب والحوادث  المؤلمة  التي تحوط بنا.


ثقب المفتاح
وتميز رياض نعمة عن سائر الفنانين من حيث شكل اللوحات التي بقيت حرة، فنجد لوحات على شكل دائرة وعلى شكل ثقب المفتاح وهذا الشكل  يقول انه استوحاه من يوسف الصايغ الذي كتب: «لا يمكن ان انظر من ثقب الباب الى وطني» الا ان رياض نعمه بخلافه قرر ان ينظر الى وطنه   في هذه المجموعة من اللوحات  من خلال ثقب الباب اي من مسافة بعيدة  مع ما يعتري ذاكرة الانسان بحكم البعد الزمني والجغرافي، هو الذي تهجر مرتين من العراق الى سوريا ومن سوريا الى لبنان  حيث يقيم ويعمل راهناً.
اللوحات عموماً يسيطر عليها ايقاع العنف والالوان القوية. فيها تبدو كأنها تتفجر وتنفلش شظايا على رقعة واسعة من اللوحة، الا انها لم تلغ الامل تماماً، فنجد في احدى اللوحات سرب حمام من الجهة الاخرى للجدار خلف التفجيرات والحرائق، واللوحات كلها تدعو المتلقي الى التأمل، خصوصاً تأمل ذلك الطفل في احدى اللوحات حيث يسير باتجاه الحرائق والتفجيرات والدمار. وقد نجح الفنان رياض نعمة في لفت النظر الى اطفال العراق المتروكين لمصيرهم، انها صرخة للتفكير باي مستقبل ينتظرهم، وهل من يحاسب من سلبهم براءتهم وافراحهم البسيطة والبريئة؟.

كوثر حنبوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق