رئيسيسياسة عربية

حرائق السودان تتواصل و«سوء النوايا» يزيد اشتعالها

يلخص محللون ما يجري في السودان بانه نوع من «سوء النوايا»، ويخلص الى الاعتقاد بأن القضية بكل تفاصيلها يمكن ان تكون اكثر من سهلة، فيما لو احتكمت الاطراف الى قدر من حسن النوايا. ويبدو ان تلك التحليلات تتجاوز في اتهاماتها الاطراف العادية في المعادلة، بحيث تمتد الى كل الاطراف المحلية والاقليمية، بدءاً من قيادتي الدولتين وليدتي اتفاق السلام الذي افضى الى استفتاء وبالتالي الى انفصال الجنوب.

الاطراف المتهمة هي قيادتا دولتي السودان، والعديد من دول الاقليم، والاحزاب والتنظيمات الداخلية، والاطراف المتمردة بما في ذلك جيش تحرير الجنوب الذي تظاهر بخلع البزة العسكرية وارتدى الياقة ايذاناً بدخول عالم السياسة. والمعارضة الشمالية التي تواصل نشاطها بما يؤدي الى اضعاف الدولة وحرمانها من مقدراتها.  وعملية سوء النية – كما يبدو – باتت محكومة بقدر من محاولات احتكار الثروة، وعدم التسليم بحق اطراف اخرى بها.
يبدو ان التطورات المتواصلة على الساحة السودانية تؤكد تلك الفرضية، وتؤدي الى النتيجة عينها. فعلى الرغم من تأكيدات «حسن النوايا» من قبل طرفي الصراع الرئيسيين في شمال وجنوب السودان، ما زالت الازمة قائمة، تحركها اطراف صاحبة مصالح في مواقع متعددة من البلاد التي كانت دولة واحدة تمزقها الحروب، قبل ان تصبح دولتين ممزقتين بفعل سوء النوايا ومواصلة المواجهات وضمن اكثر من سياق.
فبينما يتواصل العنف في اقليم دارفور، ويسقط مئات القتلى اسبوعياً، تشير التقارير الواردة من المنطقة العازلة بين دولتي السودان الى ان المنطقة لا تزال قائمة على برميل بارود جاهز للانفجار. وعلى الرغم من الاتفاقات المعلنة بحل الازمة بسحب القوات من المنطقة الحدودية، وبدء عملية الانسحاب فعلاً، الا ان الاوضاع ما زالت متوترة. وبالتزامن ما زالت الاوضاع الداخلية في كل من جوبا – عاصمة الجنوب، والخرطوم – عاصمة الشمال، تشهد قدراً كبيراً من الخلاف.

رفض الحوار
ففي الشمال رفضت احزاب المعارضة الدعوة التي اطلقها نائب الرئيس السوداني للحوار. واعلنت تمسكها باسقاط النظام الامر الذي دفع بالرئيس البشير الذي بات يعاني من ظروف صحية صعبة الى الدفع بالهم الداخلي ليكون اولوية لنظامه، واعادة ملف الجنوب الى المرتبة التالية.
لكنه اعلن انه سيقوم بزيارة الى عاصمة الدولة الجنوبية، وامر بسحب بعض الجنود من المنطقة العازلة ما يعتقد بأنه مشروع لفتح الباب امام تنفيذ الخطوة التالية من مشروع السلام، والذي ينص على عملية تقاسم الثروة. والبدء بتصدير النفط عبر خطوط مقامة اصلاً تمر عبر مناطق شمالية باتجاه البحر الاحمر.
وعلى الرغم من ان روسيا ابدت تفاؤلاً بقرب حل الازمة، تبادلت الولايات المتحدة والخرطوم الاتهامات بالمسؤولية عن تعطيل تنفيذ الاتفاقات. وفي هذا الصدد تبرز الى الواجهة تحديات جديدة وكثيرة، ابرزها ما يشار اليها من انها مصالح مخفية، واطماع بدأ اصحابها بالتلميح لها. ومن ابرز تلك الاطماع، رغبة جنوب السودان بالتخلص من سيطرة الشمال على خطوط النفط والموانىء التي يتم من خلالها التصدير. والتي تعتبر المنفذ الرئيس لعملية التصدير. فالتقارير الامنية والاستخبارية وبعض القراءات السياسية لما بين سطور الممارسات الجنوبية تؤشر الى رغبة جنوبية في اعادة النظر باتفاقية السلام بما يسمح لها بتعديل الحدود لفتح منفذ بحري لها على البحر الاحمر.
ولان ذلك يبدو مستحيلاً في الوقت الراهن من وجهة نظر باحثين استراتيجيين ومحللين عسكريين، هناك تفكير ببدائل ابرزها البحث عن سبل لابرام اتفاقات مع دول جوار اخرى تفصل جوبا عن البحر الاحمر. ومحاولة التغلب على الخلافات السياسية مع تلك الدول وصولاً الى اتفاقات تمكنها من تصدير النفط اما عبر انابيب يتم بناؤها بحسب اتفاقات خاصة، او من خلال صهاريج ايهما اكثر سهولة واقل كلفة. هذا المشروع تراه الخرطوم الاكبر ضرراً على مصالحها بحكم انه يحرمها من عائدات النفط المنتظرة والتي تشكل عصب اقتصادها الذي توقف بحكم تفاصيل الازمة القائمة بين الجانبين، والذي تحاول جوبا التحلل منه، بينما تصر الخرطوم على التمسك به. ويمسك كل طرف باوراق يعتقد بأنها رابحة وانه في حال اللعب بها بشكل سليم ستحقق ما تسعى الى تحقيقه من اهداف.

الحراك الدولي
في تلك الاثناء، يتوقف المتابعون عند حالة من الحراك الدولي والاقليمي الهادف الى اعادة ترتيب الاوراق، ولكن ضمن اطر ليست بعيدة عن الـ «مصلحية». من ذلك الزيارة التي قام بها الرئيس المصري محمد مرسي، والتي يتم الترويج لها على اساس انها دعم للرئيس البشير، بحكم انهما ينتميان الى حزب واحد، هو جماعة الاخوان المسلمين. ومن ذلك الزيارة التي سيقوم بها البشير الى جوبا. وهناك حراك يقوم به الاتحاد الافريقي من اجل بلورة صيغ محددة من شأنها ان تطفىء شرارة الازمة المتقدة، والتي يسود اعتقاد بان جميع المحاولات ليست سوى محاولات للتسكين، وهي غير قادرة على الوصول الى اعماق الازمة.  بارقة الامل الاكثر اشراقاً في تفاصيل تلك الازمة، هي اعلان مسؤول سوداني عن انسحاب قوات جنوب السودان من بعض المناطق الحدودية وخصوصاً منطقتي سماحة، و«الميل 14».
وقال الفريق الركن عماد الدين عدوي رئيس اللجنة الفنية التابعة للجنة السياسية – الامنية المشتركة بين الخرطوم وجوبا ان جيش جنوب السودان انسحب من سماحة وكامل منطقة «الميل 14» قبل ايام عدة من الموعد المحدد. معتبراً ان ذلك يؤشرعلى جدية دولة الجنوب فى تنفيذ الاتفاق. واضاف الفريق عدوي ان تقرير قائد قوة الأمم المتحدة المؤقتة لحفظ الأمن في أبيي (يونيسفا)  انه تم الانسحاب قبل ايام من الموعد المقرر (في الرابع والعشرين من الشهر الجاري). ويأتي الانسحاب من المنطقة في اطار تنفيذ اتفاقيات التعاون الموقعة بين حكومة السودان وحكومة جنوب السودان في 27 أيلول (سبتمبر) الماضي في العاصمة الاثيوبية اديس ابابا.
الا ان مراقبين يؤكدون ان الخطوة اضافة الى الاتفاقات المبرمة بما فيها انشاء منطقة منزوعة السلاح، لن تنهي التمرد في ولايتي جنوب كردفان والنيل الازرق. وخلال المباحثات التي رعاها الاتحاد الافريقي، ليّن السودان موقفه حيال الضمانات ما اتاح التوصل الى اتفاق حول تصدير النفط الجنوبي عبر الشمال وحول ثمانية ملفات اخرى بينها المنطقة الحدودية المنزوعة السلاح. واتفق الطرفان على جدول زمني محدد لتطبيق الاتفاقات التي ظلت حبراً على ورق منذ ايلول (سبتمبر).

عواصم – «الاسبوع العربي»
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق