سياسة عربية

تونس تستعيد شعارات الثورة مع عشرة آلاف مشارك

«الكرامة» كانت احد شعارات ثورة كانون الثاني (يناير) 2011 التونسية. وكانت احد شعارات «المنتدى الاجتماعي العالمي»، الذي انعقد في تونس، في الاسبوع الماضي، بعد 12 سنة من انطلاقه في بورتو آليفري البرازيلية.

المؤتمر الكبير، المزدحم بمجموعات عفوية تلك السوق الكبيرة لجمعيات المجتمع المدني، الذي اعتمد الاسم الاكثر ملاءمة «الحركة من اجل العولمة  البديلة»، ضد الليبرالية الاقتصادية الجديدة، بعد ان عرف باسم «رفض العولمة». وللمرة الاولى، جرت ايام اللقاء الكبير على ضفاف البحر الابيض المتوسط، وللمرة الاولى في دولة عربية، وتولى الاعداد العملاني له، مئات المتطوعين التونسيين. تلك النخبة التشاركية الواسعة، بعيداً عن اضواء الاعلام وعن اخبار اللا-استقرار الذي يميّز تونس ما بعد الثورة فتحقق الرهان الذي طرحته قيادة التنسيق في المنتدى الاجتماعي العالمي منذ سنتين، في مؤتمر داكار، بالتقاء ابطال جدد، في قلب الثورة العربية، وتجنيدهم، هذا الاتزام التطوعي، كان وراء نجاح النسخة العربية الاولى، عن هذا النشاط، الذي اعتمد لاحقاً على دعم المؤسسات التونسية له، بحيث تحولت جامعة المنار التونسية في شمال العاصمة، الى قلب نشاطات هذا المهرجان، فاقيمت بين جدرانها كل حلقات المنتدى الاجتماعي العالمي الدراسية. كما استقبلت العديد من المشتركين العرب والافارقة، الذين لم يجدوا مكاناً للاقامة في فنادق العاصمة وضواحيها، وفتحت جامعة المنار موقعها الانترنيتي امام نشاطات المنتدى.

المنتدى
لم تكشف الاوساط التونسية والاعلامية عن المنتدى الذي سينعقد فيه، الا في اللحظة الاخيرة، بعد ان بدأ الحديث ينتشر عن عشرات الاف المشاركين الاجانب، فراحت وسيلة اعلامية، مثل جريدة «لابرس» الناطقة باللغة الفرنسية، تبارك اللقاء وتعطيه صدى نوع من التقدير العالمي لجهد الثورة الديموقراطية العربية ولقضية عدالة اقتصادية معولمة جديدة.
واكتشفت اكثرية المشاركين الجدد، ان لتونس حكومة جديدة قامت بقيادة حزب النهضة الاسلامية، على وقع الاضطرابات التي تلت مقتل القائد التقدمي، شكري بلعيد، في شباط (فبراير) الماضي. ولكن الانظار اصبحت موجهة بعد اليوم، الى الانتخابات النيابية المقرر اجراؤها في الخريف المقبل، بعد اقرار الدستور الجديد.
وتدل النشاطات السياسية وعمليات الاستقصاء التي تجري، ان الموضوعين السياسيين الجديدين، في الافق السياسي، اللذين لم يشغلا تقريباً اهتمام البرلمان الحالي، الذي انتخب في تشرين الاول (اكتوبر) 2011. الحزب الجديد، الذي اسسه السياسي العجوز القائد سبسي حزب «نداء تونس» الذي ينادي بتقليد البورقيبية المحدثة القومية والاجتماعية و«الجبهة الشعبية» مع احزاب اليسار الراديكالي، الماركسية في اكثريتها، ففي تونس، ينادي العديد من التلامذة بالانتماء الشيوعي. وكانوا الاكثر حضوراً في المنتدى الاجتماعي العالمي، الذي انعقد في تونس، ولم يغب عنه مراقبون اسلاميون وبورقيبيون.
والذي لفت المراقبين، هو الهدوء الذي رافق انعقاد المنتدى يالرغم من من كثافة الحضور الامني، والاسلاك الشائكة التي احاطت بمبنى وزارة الداخلية وسفارة فرنسا. اكثر من ذلك، تميزت اجواء تونس، كما في كل مكان تنعقد المنتديات الاجتماعية العالمية باجواء الاعياد حيث تخللتها لقاءات موسيقية وثقافية رافقت مناقشات المنتدى الملتزمة، فرأينا في الصور، مناضلي جمعية «اتاك» الفرنسية، يشترون ازهار الياسمين واللوز، من الاولاد الذين كانوا يبيعونها في شارع بورقيبة.
واستعادت تونس على مدى خمسة ايام، اجواء الاناشيد الثورية، التي كانت تصدح في شارع بورقيبة الرمزي، وصولاً الى ملعب المنزه واستعاد الالوف الذين جاءوا من كل انحاء العالم، شعارات الثورة التونسية الشهيرة في اطار وضع البلاد الملبد، فاعطت ثورة 14 كانون الثاني (يناير)، دفعاً جديداً، وحيوية جديدة للحركات العلمانية والتقدمية، المتعثرة. وصاح مناضل من الجبهة الشعبية في اتجاه مشاركين من شباب كندا: ان ثورتنا ترحب بفرح، بكل الحركات السياسية والاجتماعية، المقاومة لعالم لا انساني وغير عادل، قائم على الهيمنة والحروب، ان الشعارات التي تطلقها جماهير اللاعولمة، تلتقي مع شعارات ثورتنا المنطلقة من الكرامة.

نسخة عن العولمة
منتدى تونس، هو النسخة الثالثة للعولمة الشعبية التي تنظم على ارض افريقيا. هذه الشبكة الواسعة من المنظمات الاجتماعية والشعبية المستعدة لمناقشة البدائل للمواضيع والمشاكل الكبيرة، التي تعيق التقدم نحو المساواة، والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في مناطق الكرة الارضية قاطبة.
المنتدى الشعبي العالمي حركة ولدت نقيضة لـ «منتدى دافوس الاقتصادي العالمي»، وحافظت على وجود متواضع كتعبير اساسي عن الكفاح المعولم. وواجهت، على مدى تواجدها، اعتراضات وافتراضات وتساؤلات حول تكوينها، وبنيتها، وفي طبيعة الحال، حول ديمومتها المالية، وامكانات تسمح لها بتنظيم لقاءات سنوية، تفترض الاعتماد على مصادر مالية، لا تتوفر من دون مساعدات حكومية، ولكننا نعرف ان تجنيد الامكانات المالية، لا يتعايش دائماً، مع تجنيد الجماهير التي تناضل من اجل عالم افضل. بحيث كانت احدى المعضلات التي واجهتها الحركة وكيفية التوفيق بين الاحتفاظ باستقلاليتها، وان تكون تعبيراً حياً عن التطوع الاجتماعي وكيفية التعايش المعقد، بين القوى التي تناضل من اجل عالم اكثر عدالة، واقناع الحكومات والمؤسسات العامة، في البلاد التي تستقبل «مهرجانها»، والمؤسسات التقدمية في بعض اقوى دول العالم، واقناعها بتمويل مبادرات كالتي تنظمها والتصفيق لها.
وفي اي حال، ان «منتدى بورتو اليغري» عاش مع تناقضاته وامكاناته حتى الآن، كتعبير عن شكل جديد من النضال ضد العولمة النيو- ليبرالية الجديدة، وخصخصة المجال العام، وضد الامبريالية وتدمير الكرة الارضية، واستغلال ابسط حقوق الانسان»، بالنسبة الى قسم كبير من شعوب العالم.

آلاف المشاركين
ارتدى منتدى تونس، الذي استمر من الثلاثاء 26 الى السبت 30 اذار (مارس) الماضي اهمية سياسية كبيرة، كما كان شأن مؤتمرات نيروبي، في كينيا، في سنة 2007، وداكار في السنغال في سنة 2011، فتوافد حوالي عشرة الاف مشترك الى تونس، من مختلف انحاء العالم، اكثرهم من دول افريقية، وينتمون الى اكثر من 120 دولة. فشاركوا في منتديات وحوارات وحلقات دراسية، اقيمت في ردهات بعض الجامعات التونسية الخمس، المتوافقة التوجهات مع جامعة المنار. وعكس برنامج المنتدى الشاسع، تنوّع المواضيع والمناقشات والمشاكل، التي تطرق اليها المنتدى التونسي، الذي بدأ بمسيرة احتفالية من ساحة 14 كانون الثاني (يناير) الى ملعب المنزه، حيث ختم سهرة اليوم الاول المغني البرازيلي جيلبرتو جيل، ابن بورتو اليغري.
وفي مواجهة شعار المنتدى: «عالم آخر ممكن» رفع التونسيون شعار «تونس اخرى ممكنة» ومن اجل ان يشرحوا للتونسيين، مفهوم المنتدى واهدافه، رفع الناشطون التونسيون خيمة في قلب شوارع بورقيبه وشرحوا للناس، معنى هذه التظاهرة العالمية واهدافها، وقال احدهم: «ان ما يجري يذكرنا باجواء الثورة». فأردف آخرون: «بل انها تتمة للثورة» وتكريم لذكرى شكري بلعيد، صوت الديموقراطية والتقدمية، ونجح المنتدى بالرغم من الاوضاع التي تمر بها تونس. وساهم، في اعادة تكوين الشبكات الشبابية، المشتقة من التيارات المختلفة التي تنعش الحياة السياسية في البلاد. وشكل اساس هذه الاجواء، مناضلون من اليسار في نوع خاص، وجمعيات اجتماعية غير حكومية وانصار المرأة ومثقفون وفنانون ونقابيون وثوريون، من الداخل .

الشعب الفلسطيني
ولم ينس منتدى تونس، الشعب الفلسطيني، فكان كفاحه في قلب المناقشات والتظاهرات التي رافقته. وشاركت فيه التيارات السياسية الفلسطينية المختلفة، من منظمة التحرير، الى فتح الى الجبهة الشعبية، الى الجبهة الديموقراطية. وختم المنتدى اعماله، بمسيرة حاشدة تضامناً مع القضية الفلسطينية.
وكانت للمسألة الصحراوية، حصتها في المنتدى.
بينما منعت الجزائر، وفدين جزائريين، كان من المفترض ان يشاركا في المنتدى، من مغادرة الاراضي الجزائرية، من الحدود الشرقية.
وشكل وصول الناشطة التونسية بسمة بلعيد. ارملة شكري، يحوط بها قادة مع الجبهة الشعبية وشباب كثر حدثاً في قلب المنتدى ومشت في مقدمة مسيرة تطالب: «نريد ان نعرف فصول جريمة قتل بلعيد»، الذي كانت صوره الابرز في التظاهرات، التي كانت تردد شعار: «ان شكري لم يمت، ان موته لن يذهب سدى، انه يعطينا الشجاعة لمواصلة النضال من اجل الحريات»، فتحول شكري بلعيد الى بيرق تونس، مقاومة السعي الى اقامة نظام تيوقراطي.
وخصص منتدى تونس، هذه التظاهرة التي مشت على رأسها بسمة بلعيد للمرأة العربية تلاها «لقاء حاشد للمرأة المكافحة»، على مدرج جامعة المنار، ألهبته، رئيسة اتحاد المرأة التونسية، احلام بلحاج، التي دعت الى حركة تضامن دولية، لتفشيل اية محاولة للقضاء على المكتسبات التي انجزتها حقوق المرأة في تونس، التي ستدافع عنها، بالتصميم الذي حاربت به الديكتاتورية.
ودعت وجوه نسائية، فلسطينية ومصرية وبرازيلية وبولونية وسنغالية، على التوالي، الى الدفاع عن حقوق المرأة في بلادهن.
فتحدثت مارتا، السنغالية، عن المأساة التي تضرب النسوة الافريقيات اللواتي يمتن من الجوع والاغتصاب ومن ديكتاتورية الرجل.
وانعقد المنتدى الاجتماعي في تونس، وسط سيناريو سياسي اقليمي معقد، لا يدعو الى طمأنة المنادين بالديموقراطية.
فالمنتدى الافريقي الاول، كان انعقد في شباط (فبراير) 2011، بعد ايام معدودة من سقوط الديكتاتور التونسي، بن علي، الذي شكل الصاعق الذي فجّر الثورة في ليبيا وفي مصر، وصولاً الى سوريا.
وبالرغم من تحقيق بعض التقدم. فان لا شيء، يدل، على ان المفاهيم الديموقراطية شملت الشعب والبلاد، ثمناً تاريخياً، في العدالة، والمساواة، في مجتمع عانى من التسلط الامبريالي، من الخارج ومن الداخل، ومن استعمار قضى على التقاليد والقيم والمزايا التاريخية، ومن اصولية دينية حيث يقول: «الثوار» الحاكمون، انهم يستندون اليها، فيقضمون الحريات والتعتق الانساني باسمها. وكما في سائر الدول الافريقية، ان ثورات الربيع العربي، وقعت ضحية طبقة سياسية دينية رجعية وضغوط الدول الاستعمارية الكبرى. فعجزت عن تحقيق طموحاتها في الديموقراطية، بينما يمتص الاخرون، ما بقي فيها من ثروات. وتقضي هذه الطبقة باسم مفاهيمها لحريات الاسواق، على تلك البقية من الحريات التي تتمتع بها شعوب اخضعت لسلالات ديكتاتورية، سواء كانت داخل حدود بلادها ام خارجها.
وقد لا يكون الناس، داخل تونس فهموا جيداً، ماذا يعني وماذا هو، هذا المنتدى الاجتماعي العالمي. ولكنه من المؤكد انهم لم يروا، من قبل، ذلك الحشد من الاجانب دفعة واحدة في تونس.

ج. ص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق