سياسة عربية

العراق… تصدع جديد في جبهة معارضي المالكي

برز في الآونة الاخيرة تصدع في «القائمة العراقية»، كبرى الجماعات المعارضة لحكومة نوري المالكي في العراق، فيما اعلن المتظاهرون في محافظة الانبار الذين بدأوا اعتصامات وتحركات احتجاجية قبل اكثر من ثلاثة اشهر، انهم يعدون العدة للشروع بفتح ابواب التحاور مع المالكي استعداداً للخروج من الشارع.

التصدع الجديد في الاطار المعارض الذي يقوده عملياً رئيس الوزراء العراقي الاسبق اياد علاوي والذي نجح الى حد كبير في احراج المالكي وحشره في الزاوية منذ صدور نتائج الانتخابات العامة الاخيرة في العراق في اذار (مارس) عام 2011، ظهر عندما اعلن رئيس جبهة الحوار الوطني صالح المطلك احد ابرز مكونات هذه القائمة ما اسماه «وفاة» القائمة على يد من اسماهم «الاسلاميين الجدد الساعين الى تقسيم العراق».
ولم يكتف المطلك بهذا الكلام، اذ حضر جلسة مجلس الوزراء العراقية مع وزراء كتلته، اضافة الى وزراء كتلة «الحل» المنضوية ايضاً تحت عباءة «القائمة العراقية».
الحدث هو بمثابة تطور بالغ السلبية في معسكر المعارضين للمالكي، ومؤشر بالغ الايجابية لمصلحة رئيس الوزراء العراقي.
مبررات المطلك الذي يشغل كما هو معلوم منصب رئيس الوزراء وتمرده على الاطار الجبهوي المعارض، متعددة فهي انه يرفض استمرار الخلافات السياسية لانها ستقود البلاد الى المزيد من التشرذم والانقسام.
اضافة الى ذلك، فإن المطلك بات يتحدث في الآونة الاخيرة عن ان مشاركته في الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء العراقي، افضت الى اقرار حزمة من القرارات ومشاريع القوانين التي تستجيب للعديد من مطالب المتظاهرين في المحافظات المنتفضة في وجه حكومة المالكي منذ فترة.

خلاف عميق
ولقد كانت «جبهة الحوار» التي يرأسها المطلك حريصة كل الحرص على التأكيد بأن خلافها مع الرحم السياسي الذي عاشت به منذ اكثر من عامين، ليس خلافاً عابراً او حول قضية آنية، بل انه خلاف عميق مع مكونات اساسية من القائمة العراقية، ولا سيما مع تحالف «متحدون» الذي يضم رئيس البرلمان العراقي اسامة النجيفي ووزير المال المستقيل رافع العيساوي، اضافة الى زعيم مجالس الصحوة الشيخ العشائري احمد ابو ريشة. وتعتبر جبهة الحوار ان تحالف «متحدون» قام اصلاً في اطار السعي الى تنفيذ مشاريع خطيرة ومنها تقسيم العراق على اسس طائفية.
وهكذا، اتى «انشقاق» المطلك وفريقه السياسي العريض عن «القائمة العراقية» ومعاودة وزرائه المشاركة في اجتماعات الحكومة يشكل مجموعة مكاسب في «ضربة» واحدة للمالكي. فالمعلوم ان رئيس الوزراء العراقي، بدا في الايام الماضية وكأن حكومته تواجه «خطر» انفراط عقدها، خصوصاً بعدما قاطعها وزراء القائمة العراقية اولاً، ثم وزراء «التيار الصدري» تحت عناوين شتى، فضلاً عن ان هؤلاء هددوا بالانسحاب نهائياً من الحكومة.
وفي الوقت عينه، برزت في الاشهر الثلاثة الماضية، فجوة كبرى بين المالكي وحكومته وشريحة كبرى من السنة العراقيين الذين بدأوا حراكاً اشبه ما يكون بـ «انتفاضة» ضد المالكي، ونزلوا الى الشوارع والساحات، وبدأو اعتصاماً وتحركات، رافعين اولاً لواء مطالب متعددة، ثم رفعوا لاحقاً شعار اسقاط حكومة المالكي وترحيلها طوعاً او قسراً، متهمين اياها بأنها تمارس سياسات طائفية ومذهبية وتهمش شريحة واسعة من ابناء العراق، فبدا وكأن اركان حكومة المالكي تعيش عزلة داخلية زادها عمقاً واتساعاً ان ثمة جهات دولية وعواصم عدة بدأت تدعم مطالب المعتصمين وتدعو الى التجاوب معها.
وكانت ثالثة الاثافي تجدد السجال والتناقض بين المالكي والتحالف الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني تحت عناوين شتى.

انقلاب على الرفاق
وهكذا اتت خطوة المطلك الاخيرة، ان لجهة عودته الى المشاركة في اجتماعات حكومة المالكي مع عدد من وزراء القائمة العراقية، وان لجهة اطلاقه سلسلة مواقف تصعيدية ضد «رفاقه» السابقين في القائمة العراقية والتي بدت بمثابة «انشقاق» او خروج على القائمة لتنقذ حكومة المالكي نفسها وتعيد بعث الحيوية فيها، وتعطيها شرعية وطنية، فضلاً عما احدثه انشقاق المطلك من تداعيات سلبية في داخل القائمة العراقية التي اقرت بأن خطوة المطلك كانت بمثابة اضعاف لها، وهي في ذروة معركتها ضد المالكي وحكومته وضد ادائه وفي مواجهة العملية السياسية التي يقودها والتي تتجه وفق قولها الى منحى خطير بعد ان استأثر المالكي بالقرار السياسي والامني، وضرب عرض الحائط مبدأ الشراكة الوطنية التي تشكلت بموجبه الحكومة.
ولقد حملت خطوة المطلك معاني وابعاداً اعمق واكثر اهمية على المسار السياسي العام في العراق. فلم يعد خافياً ان النهج السياسي للقائمة العراقية ولخصوم المالكي عموماً، اعتمد على مبدأ اساسي وهو اتهامه بأنه لا يحظى بأي امتدادات وطنية، وخصوصاً لدى السنة العرب، لا سيما ان القائمة العراقية عملت على احتكار النطق بلسان هذه الشريحة من الشعب العراقي وعملت على الظهور بمظهر الممثلة الشرعية والوحيدة لهم.
لذا فإن خروج المطلك منها بهذه الطريقة وبناء على الخطاب السياسي الذي اطلقه اخيراً، انما يؤثر سلباً على كل الرحلة السياسية للقائمة العراقية، وعلى منطقها السياسي ويعطي العملية السياسية التي يقودها المالكي، خصوصاً في هذه المرحلة نكهة مختلفة وصورة مغايرة.
ولا ريب في ان ثمة من يذهب الى ابعد من ذلك عندما يعتبر ان الانعطافة السياسية الاخيرة للمطلك انما تخرج المالكي من «حصار سياسي» مديد وخانق سعت القائمة العراقية والعديد من السائرين في ركاب المعارضين الى ان يفرضوها عليه طوال الفترة الماضية.

ضربات متوالية
يضاف الى ذلك امران اساسيان وهما: الاول ان المطلك ليس شخصية سياسية عابرة او بلا جذور في الحياة السياسية العراقية في مرحلة ما بعد صدام حسين، فهو موجود بعناد في صلب هذه الحياة منذ ان كان نائباً مميزاً في البرلمان العراقي الاول وزعيماً سياسياً ومكوناً اساسياً من مكونات جبهة التوافق العراقية التي كانت على مدى اكثر من خمسة اعوام رقماً صعباً ان في المعادلة السياسية العراقية العامة او في اطار المعارضين لحكومة المالكي الاولى.
وهو (اي المطلك) تعرض لاضطهاد شديد من حكومة المالكي ومنع من الترشح في دورة الانتخابات النيابية الاخيرة بفعل قوانين «المساءلة والعدالة» بتهمة انه احد اركان نظام صدام حسين.
والثاني ان هذه الضربة السياسية الموجعة التي تتعرض لها القائمة العراقية ليست الاولى من نوعها، اذ تعرضت لجملة انشقاقات وخرج منها العديد من النواب والشخصيات والعناصر، فضلاً عن الرمز الثاني وهو نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي الذي اخرج من منصبه ومن العراق نهائياً بعد صدور احكام قضائية قاسية بحقه بتهمة اشرافه على فرق ارهاب وموت.
وبمعنى اخر، نجح المالكي طوال الفترة الماضية في الحاق الضربات المتوالية والموجعة بهذه القائمة التي نافسته على رئاسة الحكومة وحصدت مقاعد لا يستهان بها في البرلمان العراقي، وقادت ضده ائتلافاً ثلاثياً معارضاً اوشك ان يسحب الثقة منه ويقصيه من الواجهة السياسية.
وفي كل الاحوال، فإن حدث خروج المطلك من القائمة العراقية، لا يعني اطلاقاً نهاية رحلتها السياسية الشاقة.
اما التطور البارز الاخر على الساحة العراقية خلال الاسبوع الماضي فقد تمثل في اعلان المتظاهرين المعارضين للمالكي في الانبار تشكيل وفد من كل ساحات الاعتصام للشروع بفتح باب الحوار مع حكومة المالكي.
التجربة الجديدة التي ينتظرها جميع المهتمين بالشأن العراقي سارت وفق ما هو مرسوم لها، والامل بأن تكون فاتحة مرحلة جديدة، امر مثير للاهتمام، فهي تعني بشكل او بآخر نهاية المطلب الاقصى الذي ذهب اليه هؤلاء المعتصمون وهو اسقاط المالكي.
اضافة الى ذلك، فإن المعتصمين لم يتجاوبوا اطلاقاً مع محاولات بذلتها حكومة المالكي للتحاور معها، ولا سيما خلال الايام الاولى لتحركهم، وبعدما شكلت هذه الحكومة لجنة مولجة بهذا الامر برئاسة نائب رئيس الوزراء حسين الشهرستاني للنظر بمطالبهم.

المعتصمون
والمعلوم ايضاً ان المعتصمين طردوا العديد من النواب والشخصيات التي وفدت اليهم للتحاور معهم ونقل مطالبهم الى الحكومة لدرجة انهم تعرضوا للمطلك نفسه عندما زارهم.
كذلك فإن المعتصمين وقيادتهم، قطعوا الطريق على زعامات عشائرية من محافظات الوسط حاولت ان تقوم بدور الوسيط بينهم وبين حكومة المالكي، بغية اعادة الاوضاع الى طبيعتها، وانهاء حركة الاعتصامات، واعلن هؤلاء المعتصمون انهم لا يعترفون بهذه الزعامات التي لها مكانتها ووزنها.
وبالاجمال، كان المعتصمون سلبيين ازاء كل المحاولات التي بذلت للتجاوب مع مطالبهم واعادة وصل ما انقطع بينهم وبين الحكومة في بغداد، لدرجة ان ثمة من بدأ ينظر على اساس ان هؤلاء المعتصمين ساعون فعلاً الى ما هو ابعد من تحقيق المطالب التي يرفعونها، او انهم يحضرون لاعادة عجلة الامور الى ما كانت عليه قبل عام 2007، لا سيما وانهم رفضوا الاعتراف بما اعلنت حكومة المالكي انها حققته لهم من مطالب ورأوا انها غير كافية مطلقاً لكي يخرجوا من الشارع.
ومهما يكن من امر، فإن المعتصمين اعلنوا انهم سيرسلون وفدهم الى بغداد ولكن على ان يظلوا مستمرين في تحركهم الى حين استجابة مطالبهم، في حين ان الحكومة العراقية اعلنت انها تنتظر الوفد.
وعليه ثمة فصل جديد بدأ بين الحكومة والمعارضة ولا بد من الانتظار لمعرفة الى اين تسير الامور وهل يمكن ان تصل الى خواتيم جديدة؟.

ابرهيم بيرم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق