كتاب

عارف العارف… المحارب القديم الذي رحل كئيباً!

عن «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» في بيروت، صدر حديثاً، كتاب الباحث والمسؤول الفلسطيني الراحل عارف العارف «النكبة: نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود 1947 – 1949» في طبعة ثانية جديدة، وفي ثلاثة اجزاء، وبالتالي ثلاثة مجلدات، أعدّها وقدّم لها الباحث والمؤرخ وليد الخالدي. وتأتي اهمية هذا الكتاب الموسوعي، في ان صاحبه عايش تلك المرحلة التاريخية الأليمة، ورأى بأم العين، كيف انتقلت بلاده من حال الى حال، في غفلة من غفلات الزمن، وفي غياب الضمير!

لا يزال هذا الكتاب، على الرغم من مرور اكثر من خمسة عقود على تأليفه، من أهم المراجع العربية الموثوق بها، واهم مرجع فلسطيني عن نكبة 1948، وذلك لمعاصرة مؤلفه للنكبة ووجوده وسطها وتدوينه اليومي لمجرياتها وتسجيله الدقيق، لكمّ لا شبيه له من الروايات، عن احداثها، نقلها عن مسؤولين عرب وفلسطينيين ومناضلين ومواطنين عاديين، حرص على مقابلتهم في فلسطين والعواصم العربية لاستجلاء الحقيقة منهم. بالاضافة الى اعتماده على مذكراته اليومية التي كتبها بشكل متتابع لم ينقطع عنها يوماً واحداً خلال اربعين سنة.

المؤلف في سطور
وُلد المؤلف عارف العارف في القدس سنة 1892، وانهى دراسته الثانوية والجامعية في استانبول. التحق بالجيش العثماني عند نشوب الحرب العالمية الاولى، وأمضى ثلاث سنوات في الأسر في روسيا القيصرية. تولى بعد عودته الى موطنه منصب قائمقام في الادارة الانتدابية المدنية في مدن فلسطينية عدة. عاصر النكبة بين رام اللّه والقدس، وشغل منصب رئاسة بلدية القدس الشرقية في الفترة 1951 – 1955. انتهى من تأليف كتابه هذا سنة 1956، وله مؤلفات عدة في تاريخ القدس وغزة وبئر السبع… توفي في رام الله سنة 1973.
يتألف هذا الكتاب من ثلاثة اجزاء: الجزء الاول تحت عنوان «من قرار التقسيم 29/11/1947 الى بدء الهدنة الاولى 11/6/1948». الجزء الثاني تحت عنوان «من بدء الهدنة الاولى 11/6/1948 الى اتفاقيات الهدنة الدائمة بين الدول العربية واسرائيل، شباط (فبراير) – تموز (يوليو) 1949». الجزء الثالث تحت عنوان «ملاحق وسجل الشهداء».
يقع الكتاب في ثلاثة مجلدات، عدد صفحاتها 1636، من القطع الكبير، ويمتاز بطباعته الأنيقة وتجليده الفني الفاخر.

الخالدي في سطور
الكتاب في طبعته الجديدة من اعداد وتقديم وليد الخالدي، وهو مؤرخ بارز ومرجع في القضية الفلسطينية. وُلد في القدس سنة 1925. وتخرج من جامعتي لندن واكسفورد. عمل استاذاً في جامعة اكسفورد، والجامعة الاميركية في بيروت، وجامعة هارفرد، وزميلاً باحثاً في جامعة برنستون، وزميلاً باحثاً في مركز دراسات الشرق الاوسط في جامعة هارفرد طوال الفترة 1982 – 1996. وهو عضو منتخب في الاكاديمية الاميركية للآداب والعلوم. كما انه عضو مؤسس في مؤسسة الدراسات الفلسطينية وأمين سرها منذ تأسيسها سنة 1963. أسس الخالدي مجلس امناء اصدقاء المكتبة الخالدية في القدس، وهو أحد مؤسسي الجمعية الملكية العلمية في عمان، وجمعية التعاون الفلسطينية. كتب الخالدي كثيراً، بالعربية والانكليزية، في الشؤون العربية والدولية. وقد ظهرت مقالاته في كبريات الصحف العربية والعالمية. ونال العديد من الجوائز على مساهماته الاكاديمية المتميزة.

كتاب «النكبة»
يشير وليد الخالدي في تقديمه، الى ان هذا الكتاب يظل المرجع الأوثق والافضل بالعربية، عن نكبة فلسطين سنة 1948، على الرغم من مرّ السنين…
يتساءل المؤلف عارف العارف في مقدمته عن تسميته كتابه «النكبة» فيقول: «وكيف لا أسميه «النكبة»؟ وقد نكبنا، نحن معاشر العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً، خلال هذه الحقبة من الزمن، بما لم ننكب بمثله منذ قرون واحقاب: فسُلبنا وطننا، وطُردنا من ديارنا، وفقدنا عدداً كبيراً من ابنائنا وأفلاذ اكبادنا، واصبنا فوق هذا وذاك بكرامتنا في الصميم. وقد يذكر التاريخ غداً ان حفنة ما كان يؤبه لها من شذاذ الآفاق تغلبت على اربعين مليوناً من العرب…».
ويستطرد فيقول: «ومن يدري؟ لعل ذلك التاريخ لا يعدل في حكمه… ولعل الهوى يجد سبيله الى معاقل التاريخ ايضاً، كما وجده الى اروقة الساسة وهيئات الامم المتحدة في العصر العشرين، فيمر بالحقائق التي وقعت في هذا الجزء من العالم مرّ الكرام، والهوى يعمي ويصم».

كتابة التاريخ
ويرى العارف ، ان التاريخ «الذي يكتب فور وقوع الحادث» «عرضة لعثرات الكاتب» ذلك بأنه – اي الكاتب – «مهما اوتي من عدل وحكمة وصدق ونزاهة، لا بد ان يكون عند حدوث الحادث متأثراً بمصالحه الذاتية او الحزبية او القومية او الدينية» لذلك فان احسن التواريخ واصدقها ما يكتبه المؤرخون بعد مضي ما لا يقل عن ربع قرن من الزمن»، لانه «كلما طال الحين كان الحكم أبعد من الغمز والطعن»، كما ان كثيراً من الحقائق التي «يميل الناس بحكم غريزتهم الى انكارها حين وقوعها، تكون قد تكشف أمرها».
من هذا المنطلق يؤكد عارف العارف انه ان هو إلا «راوية يريد ان يروي للناس ما حدث. وقد آليت على نفسي ألا أروي إلا ما رأيت بأم عيني، وما رواه لي العدل الثقات». وهكذا «عندما يأتي اليوم الذي يصح فيه التاريخ» يكون «لدى المؤرخين التابعين، سطور يستطيعون الركون اليها… سطور تدعمها الوقائع والاسماء والاماكن والارقام».

مسقط الرأس
يذكر وليد الخالدي، ان المؤلف عكف خلال فترة رئاسته بلدية القدس على عملين علميين ضخمين: أولهما كتابه عن «النكبة» الذي صدر في طبعته الاولى في سبعة اجزاء، وثانيهما سلسلة كتب في تاريخ القدس ومقدساتها، وصدر له في ذلك، على التوالي في سنة 1951: «المسيحية في القدس» و«الموجز في تاريخ القدس». وكتاب ثالث بالانكليزية عن «قبة الصخرة»، وبعد ذلك «تاريخ قبة الصخرة والمسجد الأقصى» و«المفصّل في تاريخ القدس».
ويصف عارف العارف نهجه في التنقيب عن تاريخ القدس قائلاً: «… فلم أترك باباً، إلا وطرقته، ولا معبداً، إلا وولجته، ولا كلمة منقوشة على الأسوار أو الجدران، إلا أنعمت النظر فيها، ولا كتاباً صُنّف في تاريخ هذه المدينة وسمعت به، إلا ورجعت اليه أنهل من معينه، سواء كان ذلك الكتاب مطبوعاً او ما يزال مخطوطاً، ولا طللاً من طلولها البالية، إلا وقفت عليه استنطق الأثر الخبر».
اما حبه للقدس فيقول فيه: إني أحبها: لجمالها، وطيب نسيمها، وجودة تُربتها، ودم الآباء والأجداد الذي يعبق أريجه ويفوح عبيره في كل ذرة من ذراها. ولا بدع: فانها بلدي… ومسقط رأسي… ومرتع قومي وعشيرتي».
وتقول ابنته فريدة في وصف وَلَه والدها بالقدس: «والشيء الذي سأنقله الى أولادي عن جدهم… حبه لمدينة القدس واعتزازه بالانتماء الى هذا البلد العريق… كان يستمتع بالحديث عن القدس وتاريخها… كان يحب ان يمشي في شوارعها وأزقتها. كان يأخذنا الى ساحة الحرم القدسي ويشرح لنا تاريخه ويمجّد العرب الذين بنوه…. وكم من مرة ذهبنا بصحبته الى صلاة عيدي الفطر والأضحى وليلة القدر والى احتفالات سبت النور او احتفالات اعياد الميلاد في كنيسة المهد، اذ كان يريد ان يعمّق ارتباطنا واحساسنا بتراث فلسطين».

كتاب «رؤياي»
وهناك كتاب آخر توقف عنده وليد الخالدي، مشيراً الى «كتاب طريف سماه «رؤياي» ألّفه وهو في طريق عودته الى الوطن بعد اقلاعه في كانون الاول (ديسمبر) 1918 على ظهر السفينة دونيرا من مرفأ شانغهاي في الصين، ذلك بأنه ضمّن كتابه عصارة آرائه وتأملاته في اوضاع المجتمع العربي المتردية التي عاشها، مردفاً إياها بتصور لوطن عربي مستقبلي تخطى سلبياته المعاصرة جميعاً، وازدهى بصفات التمام والكمال التي تعبّر عن أقصى طموحاته. وهكذا يشكل كتاب «رؤياي» نافذة كاشفة نطل منها على عالم مؤلفه الذهني والشعوري غداة خروجه من الأسر وعشية عودته الى الوطن، وخصوصاً على رؤيته لذاته ولهويته القومية ولموقعها بين قطبي «العثمانية» و«العروبة».

دعوة مرفوضة
ويروي المؤرخ وليد الخالدي، كيف خيّمت ظلال النكبة الثانية (1967) على آخر سني حياة عارف العارف، ويتلقى سنة 1968 دعوة الى حضور حفلة استقبال من «رئيس بلدية» القدس الاسرائيلي تيدي كوليك الذي كان قد طرد خليفة العارف في رئاسة البلدية روحي الخطيب، بعد ضم القدس الشرقية قسراً الى بلدية القدس الاسرائيلية، فيجيب العارف بالاعتذار «عن تلبية دعوة من يحتل مكاني، ويمثل الدولة التي اغتصبت ارضي وبلدي، وسأعيد النظر في قراري عندما تنسحبون وتعترفون بحقوقنا».

اسرائيلية في بيته!
ويشير الخالدي الى اشتياق عارف العارف الى رؤية بيته في حي البقعة الذي احتله اليهود خلال حرب 1948، والذي اصبح الوصول اليه، ممكناً بعد احتلال اسرائيل القدس الشرقية والضفة الغربية سنة 1967. ويصل اليه فعلاً، لكن السيدة الاسرائيلية التي كانت تقيم فيه ترفض ان تسمح له بدخوله وتطرده صارخة: «اذهب… لا اريد ان أراك… فأنت الآن لا تملك شيئاً… هذا اصبح بيتي ولو أتيت بتصريح من غولدا مئير فلن اسمح لك برؤيته».
ويرتد المحارب القديم، بالقلم والسياسة، كئيباً الى مكان اقامته في رام اللّه، ويصاب بجلطة دموية اخذت تضعفه شيئاً فشيئاً، الى ان رحل في 30 تموز (يوليو) سنة 1973 عن 81 سنة


اسكندر داغر

 

العدد ٢٧٨٤ الاثنين ١٨ شباط (فبراير) ٢٠١٣ / ٨ ربيع الثاني ١٤٣٤
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق