أبرز الأخبار

مصر… على شفير الهاوية والانفجار

عادت مصر الى قلب العاصفة، مواجهات بين المتظاهرين، ورجال الامن، وانصار الاحزاب الاسلامية، الحاكمة، اجبرت الرئيس محمد مرسي، الى اختصار زيارته الى المانيا والعودة لمتابعة الاحداث عن كثب، بينما كانت مؤسسة فيتشر تخفض مرتبة السندات المصرية، ويرفض اكثر من الف من رجال الامن، النزول الى الشارع، لمواجهة الاضطرابات للنقص في التجهيزات.

من هنا تبدأ مآسي مصر المتكررة والمتجددة: انعدام الامن – الذي حول منذ اشهر شوارع مصر وساحاتها، الى امل الثوار الاخير. وملاذهم، والى صف امامي لعنف اعمى، مجنون، الى مملكة قاتمة السواد، تتنفس عبرها مجتمعات، قمعت على مدى سنين طويلة، فتستغل الفوضى، لتفرغ ما فيها من مشاعر غضب واحاسيس، تقضي على كل شيء، كما في رواية البير كامو: الطاعون، بالمزيد من التظاهرات والمزيد من الاضطرابات.
ولم يعد هناك، من يحصي عدد المشاركين في التظاهرات، وما اذا كانت مليونية ام اقل، في القاهرة، وفي سائر المدن المصرية، بينما تحول ميدان التحرير، من رمز لثورة شجاعة، الى ساحة لانتفاضة دائمة، متواصلة. من دون قيادة ولا هدف، الى زاوية فوضوية تمددت في سرعة الى ابواب القصر الجمهوري، في الضاحية الشرقية للعاصمة، طريق هليوبوليس. واحاطت قوى الامن بمحيط القصر بكثافة، ولكن من دون عدوانية، مع اوامر بعدم التدخل، الا عند الضرورة. الشعارات التي اطلقت كانت سياسية. طالب بعضها، باستقالة محمد مرسي، الرئيس المنتخب من الاخوان المسلمين، والمتهم مع حركته، بخيانة الثورة، ولكنه لم يكن للحراك اي هدف سوى الاعتراض، من دون اية قيادة واي توجه.

لعبة شد حبال
قادة المعارضة، انفسهم، الذين كانوا دعوا المصريين الى يوم اعتراض اخر، طلبوا من المتظاهرين تجنب العنف، ولكن القاهرة، وبورسعيد، والاسماعيلية والسويس، تشبه منذ 24 كانون الثاني (يناير) ساحات حرب، اكثر منها مدناً. عشرات القتلى سقوط توتر مرتفع، كان من المفروض في احزاب المعارضة توقعه، عندما استمرت في لعبة شد الحبال مع الحكومة ودفعت بالشباب للنزول الى الشارع.
ولا يقل الاخوان المسلمين عنها هواية، وعدم شعور بالمسؤولية، وعجز عن ضبط النفس والاوضاع. فالعسكر، كانوا تدخلوا، وكذلك الازهر، واعلى القيادات لاقناع الجميع بالعودة الى الحوار، ولكن يبدو، انه ليس في استطاعة احد، ام انه ليس من مصلحته، وقف حراك الشارع.
وكما حصل قبل سنتين، تواجد الجيش المصري، في اماكن التوتر، ولكنه لم يتدخل. فالاوامر هي اليوم، كما كانت قبل سنتين، بعد ان اوكل محمد مرسي شؤون الامن، الى القوات المسلحة، بـ «عدم اطلاق النار» على الناس فتركوا «الاعتداءات» الى الشرطة حتى الآن.
كما لو ان الجنرال عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع والقائد الاعلى للجيش، والرجل القوي الجديد، ينتظر بعد ان اعلن، منذ ايام ان البلاد تقف على شفير الهاوية. فوقته سيأتي، وساعته ستدق عاجلاً ام آجلاً. وبدعوة من اكثرية تتزايد بين المصريين، الذين تعبوا  من هذه الفوضى والذين يطمحون الى العيش في هدوء ونظام.
انه نموذج، شبه عادي، فقد وقعت الشرطة في الفخ، عندما عمدت، امام القصر الجمهوري، الى تعرية احد المتظاهرين، وسحله. وسقط 78 جريحاً، فاعرب الرئيس مرسي عن المه، ودعا الى دعم القوانين، بضمانات «تمنع تعذيب المواطنين والحاق اضرار جسدية بهم، من قبل رجال الامن»: والتزام حقوق الانسان.
وبينما دعا وزير الداخلية، محمد ابرهيم، الى التحقيق في الحادثة، طالبت المعارضة باستقالته. وانضم الجميع الى التحذير الذي اطلقه قائد الجيش من وقوف مصر على شفير الهاوية.

ظاهرتان
تميزت احداث الذكرى الثانية لولادة الثورة على نظام حسني مبارك، بظاهرتين:
الاولى: حركة مقاومة شعبية عرفت باسم «المجموعة السوداء»: شباب لا ينتمون الى اي تنظيم معارض، يضع اعضاؤه عصبة سوداء على رؤوسهم، شاركوا في تأزيم اجواء التظاهرات، فرموا الحجارة على رجال الشرطة، الذين ردوا بقنابل مسيلة للدموع، وتحولت علامة العصبة السوداء الى علامة مميزة والى رمز، تسعى الحكومة الى محاربته، باحالة جماعته الى المحاكمة. وحمّل المدعي العام طلعت عبدالله، الذي تطالب المعارضة بتنحيته، هذه الجماعة مسؤولية اعمال العنف التي اجتاحت مصر.
وكانت ظاهرة العصبة السوداء ولدت في اوروبا، بين السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وسيلة مفضلة من كل انواع مجموعات الناشطين، سواء ضد النووي ام الفوضويين. وبدأت في الظهور في شوارع القاهرة في الاسابيع الاخيرة، مستغلة اجواء عدم رضى شعبي متزايد، على الاصلاحات الاسلامية الاتجاه التي يطلقها الرئيس الاخو اني، محمد مرسي.
احد المقربين من هذه الجماعة. احمد عمر (22 سنة)، يعتبر ان هذه الجماعة ليست سوى موجة يركبها النظام، ليفرغ فيها كل المشاكل التي يواجهها، وكان احمد عمر، دخل السجن خمس مرات في ايام الاضطرابات، ضد نظام حسني مبارك، ويعتبر ان هذه الجماعة تشكل مفتاحاً للولوج الى مستقبل الثورة، بتصميمها على المحافظة على وحدة خطها، ولن يكون من السهل على النظام المصري، التخلص منها.
وكان احد اعضاء المجموعة السوداء سرق سيارة مصفحة للشرطة قادها الى ميدان التحرير، واحرقها، خلال الاسبوع الماضي، اشارة الى انتماء الجماعة الى الحركة الاعتراضية المصرية.

التحرش والاعتداء الجنسي
والظاهرة الثانية، كانت عودة ظاهرة التحرش والاعتداء الجنسي على النساء في ميدان التحرير، وكانت احدى ضحايا هذه الممارسة، في تظاهرات الاسبوع الماضي، ضد حكم الاخوان، صحافية، تنشط في الشارع، منذ الثورة على حسني مبارك واستمرت ضد تسلط محمد مرسي، واكدت لنا على الهاتف، ان حوالي 15 رجلاً اعتدوا عليها (عمرها 40 سنة)، على مدى 40 دقيقة، ولم يستمع احد من مئات الآلاف الذين تجمعوا في الميدان، لان تكتيك الطغمة، يقضي بالاحاطة بالضحية بينما ينفذ احدهم جريمته. وهكذا دواليك، بالدور. وقالت على الهاتف: «شعرت وكأنني اموت، ممزقة الثياب، واغمي علي، الى ان استفقت في احد المستشفيات نقلتني اليه سيارة اسعاف!
وتصر، على ان النساء يبقين امل ميدان التحرير بالرغم من الاعتداءات الوحشية التي يتعرضن لها، والتي ليس في استطاعة احد ان يدعي انها لا تحصل وانها من بنات خيال عملاء اجانب للاساءة الى الرجل المصري.
وتقدمت الزميلة بشكوى الى القضاء باسمها واسم 19  امرأة اخرى، تجرأن مثلها، بينما تفضل الاكثرية من النساء السكوت، خوفاً ام حياء ولا تنتظر الزميلة المصرية ان تؤدي مبادرتها التي شجعها زوجها عليها، الى اعتقال الفاعلين، وانما الى كشف ما يحصل في الميدان، رمز الثورة، بعد ان تحولت القاهرة، الى عاصمة عربية، للتحرش الجنسي، حيث يقدر المركز المصري لحقوق الانسان، ان نصف عدد نسائها، يتعرضن لمثل هذه الاعمال يومياً، وان 83 في المئة، من نساء القاهرة يتعرضن للتحرش الجنسي، مرة واحدة على الاقل، في حياتهن، ولعل الذين شاهدوا فيلم «البوسطة» يذكرون شيئاً مما يحصل.
والجديد، كما في قصة البوسطة، هو تكاثر عدد اللواتي يرفعن الصوت، شكوى واستنكاراً واشارت احصاءات مواقع انترنيتية، الى وقوع 51 حالة في الاسكندرية، و9 في اسيوط، و776 في القاهرة، منذ اندلاع الثورة وفي ساحات هذه الثورة.
وتشدد الزميلة، التي تخضع حالياً، لعلاجات نفسية، ان مصر، هي شيء اخر، غير هذا الذي حصل لها، ولكن حان الوقت للتعمق في الداخل، في الدهاليز التي تغذي الغرائز الدينية، وتقول: ان الديموقراطية ليست مجرد تأسيس احزاب وانتخاب، وطلب اصلاحات، ولكنها كذلك الشجاعة، والشجاعة بالنسبة الى نساء مصر، هي الامل، الذي يبقى شعار الديمو قراطية.

الاستقرار
ويبقى ان مصر لن تستطيع تخطي 30 سنة من الحكم الاستبدادي، بآخر تسلطي وان كان اسلامياً، وديمقراطي الواجهة. فان اكبر الدول العربية، هي حاجة ماسة وسريعة الى الاستقرار الى حل سياسي مصداق، وديموقراطي صحيح، ينتج عن حوار وطني غير موجود، يتجسد في دستور منفتح جامع وموحد، ولا يشكل الدستور الذي جرت الموافقة عليه في كانون الاول (ديسمبر) الماضي، باكثرية اقل من ثلث الناخبين، لا يشكل هذا الحل، ولا البرلمان الذي سينتج عنه.
فتحقيق هذا الاستقرار، يحتاج الى وقت، قدره رئيس الحكومة المصرية، هشام قنديل، عندما قال في منتدى دافوس الاقتصادي «ان استقرار ثورة مثل ثورتنا يحتاج الى ثماني ام عشر سنوات».
وكان هشام قنديل، فاجأ الجميع، عندما احتفل بالعيد الثاني للثورة المصرية، في منتدى دافوس، بين رجال الاعمال والمستثمرين الغربيين، وليس في القاهرة، في قلب مصر المشتعلة، لانه اعتبر ان وجوده هناك «اكثر فائدة لمصر، فالمنتدى، هو افضل واجهة لنشرح للعالم، احتياجاتنا، لان المال الذي تحتاج اليه استثماراتنا، موجود هنا». واردف قنديل: «ان الخبز، والحريات والعدالة الاجتماعية، والكرامة الانسانية، كانت شعارات ثورة ميدان التحرير، انني هنا لاشرح ذلك».
وتحدث مطولاً، الى كريستين لاغارد، رئيسة صندوق النقد الدولي، حول قرض 4،8 مليار دولار، توقف البحث حوله، من دون ان يستأنف جدياً.

اصلاحات
وجاءت الاحداث تعيق التقدم، اضافة الى مطالبة صندوق النقد الدولي، عشية انتخابات عامة، يريدها النظام المصري، اجراء اصلاحات اقتصادية قاسية، بدءاً من تخفيض الدعم لاسعار الوقود والخبز والمطلوب من رئيس حكومة مسؤول عن سياسة محمد مرسي الاقتصادية، ان يرضي صندوق النقد الدولي، ولا يغضب الناخب المصري، فرأى ان بعض الاصلاحات المطلوبة، يمكن تنفيذها الآن، وتأجيل اخرى، ولم تكن احداث الايام الاخيرة، واردة في الحساب .
وكان قنديل، وافق قبل ذهابه الى دافوس، على اصدار شهادات استثمار اسلامية، اعتبرها البعض، كناية عن زكاة دولية. وفي حين شكك علماء الازهر، بالتزامها قروض الشرع، اعتبرها اقتصاديون علمانيون، من بقايا «القرن التاسع عشر».
وفي خصوص الاستقرار، رأى احد قادة المعارضة المصرية، عمرو موسى، الامين العام السابق للجامعة العربية: «ربما كان قنديل على حق في ما يتعلق بالاستقرار السياسي، ولكنني اعتقد ان ثماني ام عشر سنوات، هي كثيرة بالنسبة الى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ليس في استطاعة مصر ان تتحمل مثل هذا الوقت، ان البلاد على شفير الهاوية والانفجار » 

 

ج. ص

العدد ٢٧٨٣ الاثنين١١ شباط (فبراير) ٢٠١٣ / ١ ربيع الثاني ١٤٣٤
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق