تشكيل

«برسونا» فادي كرليتش شخصيات بسيطة ومعقدة في آن

اظهر الرسام فادي كرليتش، وهو بعد في معرضه الفردي الاول، جرأة في التخطيط  ووحشية في الالوان انعكست صدقاً في التعبير عن ذاته من خلال 26 لوحة انجزها بالاكريليك ومواد مختلفة، شكلت معرضه «برسونا» المستمر في غاليري زمان الحمرا – بيروت حتى منتصف شباط (فبراير) الجاري.

اذا كان فادي كرليتش اختار الانسان موضوعاً اساسياً ترجمة لعنوان معرضه «برسونا»،  فان ادارة الغاليري ترجمت هذا العنوان الى اللغة العربية  «الى اين؟» ليس عن عبث بل لأن المعالجة التي قصدها  الفنان تناولت البعد الفلسفي للانسان في علاقته الكونية وعلاقته بالطبيعة وبالمجتمع وبالاخرين وبالميديا على وجه الخصوص، وصولاً الى علاقاته الداخلية بين الروح والجسد والافكار والتخيلات والعواطف والاحاسيس.

شخصيات بلا اسماء
حين ننظر الى اللوحات المعروضة نلاحظ اننا بصدد شخصيات بلا اسماء لا تخص احداً، شخصيات رمزية تسكنها عواطف واحاسيس شبه بشرية، ربما تعبر عن حبها او غضبها او تعبها او مللها من خلال مجموعة الوان قوية وحيوية.
يبدو الانسان في هذا المعرض وكأنه يعيش في بيئة باردة محرومة من التواصل والمشاركة، يقدم افكاراً تتعارض مع افكار الاخر او تلتقي معها او تذوب فيها  او انها تلغى بكل بساطة. كل انسان يعيش في عزلة، والقاسم المشترك المؤكد بين كل الشخصيات المرسومة  انها جميعها  تفتقد الى الحرارة الانسانية.
والملاحظ ان اشكال الشخصيات تتوالد مشهدياً بطريقة مرحة على نحو معين كي توحي بالوهم والغموض والتناقض او الاندماج. انها اشبه بحقيقة مشفرة معلقة لم تزل في مراحلها الاولى من النمو، تنتظر المتلقي ليحل رموزها.
اذاً انها شخصيات بسيطة ومعقدة في آن، ترمز الى شخصيات انسانية حقيقية مهتمة بفك رموز معنى العالم خصوصاً هؤلاء الذين لا ينظر الى رأيهم الا من جهة واحدة.

دور وسائل الاعلام
ويوضح هنا الرسام هذه النقطة لـ «الاسبوع العربي» بالقول: «كيف يمكنهم ذلك ما دامت وسائل الاعلام هي التي تعطي الاخبار، تحورها، تغذيها، تنتهكها وتجعلها اسيرة حلقتها المغلقة مما يعرقل حركتها الطبيعية عبر الاقنية الحيوية مما يجعل الانسان محبوساً ضمن عالم قاتم ويائس؟».
انطلاقاً مما تقدم فإن ما لا شك فيه ان فادي كرليتش يؤمن بدور الفنان وقدرته على التأثير في المجتمع، ولهذا السبب اختار موضوعاً عقيماً مثل الاعلام وتأثيره على الناس وكأنه من خلال معرضه  يرفع الصوت لينبه الناس كي لا يقعوا ضحية لعبة الاعلام الخطيرة ولان يكونوا متيقظين خصوصاً ان الاعلام في هذه الايام يغذي الشعور بالسوداوية وباليأس عند الناس.
في الختام يمكن القول بأن هذا الموضوع حتى لو كان مطروقاً من قبل من قبل رسامين اخرين الا ان رسامنا ترك بصمة مميزة واسلوباً فريداً في المعالجة التشكيلية اذ اخذ من الاسلوب الرمزي والسوريالي والتعبيري، وان كنا شهدنا ميلاً اكبر لديه صوب التعبيرية، واذا كان معرضه الفردي الاول يوحي بانه بدأ يرسم من قبل ان يولد فهذا يؤشر الى ان مستقبلاً واعداً ينتظره في المشهد التشكيلي اللبناني.
من هو؟
فادي كرليتش مواليد بيروت عام 1985 بدأ يرسم وهو في عمر صغير، وبعد ان تأسس في مجال التصميم التخطيطي سنة 2002 درس الرسم والتلوين في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية وحصل عام 2007 على ديبلوم دراسات عليا في الرسم، وتابع بشكل مستقل نشاطاته في مجالات الاعلانات والتصميم الغرافيكي وتدريس الفنون التشكيلية.

شارك في العديد من المعارض الجماعية، ابرزها «درج الفن» في منطقة الجميزة وفي القاعة الكبرى لمعهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية وفي معرض «ملوانات لبنانية» في طبعته السادسة في قاعة غاليري زمان عينها

 

كوثر حنبوري

 

 

 

 

 

كادر
معرض مجموعة «آرت سيركل»
حتى 15 شباط (فبراير) يستمر معرض مجموعة غاليري آرت سيركل الحمرا – بيروت، والذي يضم لوحات ورسومات ومنحوتات للفنانين الذين تتعامل معهم الغاليري بشكل دوري وممن سبق لهم ان عرضوا في الغاليري في مواقيت مختلفة.
ضم المعرض اعمال كل من: مي عبود التي نظم لها معرض فردي منذ فترة غير بعيدة ووسام بيضون وكيكي بوكاسا وانس حمصي وعمران القيسي وفاطمة كوثراني وسمعان خوام واني كركجيان ورفيق مجذوب وتيو منصور ورانيا مدرس سيلفا ونهى بلعة سنو ورؤوف رفاعي ومنى سعودي وغيرهم.

اغناء التجربة
مما لا شك فيه ان المعرض المذكور يتيح معرفة اغنى وافقاً اوسع للزائر لانه يضم اعمال فنانين اثبتوا اسماءهم ومكانتهم في الفن التشكيلي، خصوصاً ان اعمالهم المتنوعة الموضوعات والمختلفة الاساليب الفنية والتقنيات المستخدمة، تجتمع في مساحة  واحدة وفي موعد واحد، فيتمكن المتابع لمسيرة فنان معين ان يتبين تطوره الفني، وللباحث ان يقيم مقارناته وملاحظاته بين اعمال الفنانين، خصوصاً ان هناك بينهم من شارك في معارض عالمية وعرفت اعماله نجاحاً كبيراً ضمن نطاق لبنان وفي الخارج، نذكر على سبيل المثال فن كي كي بوكاسا التي حصدت شهرة عالمية بسبب الماراتون الفني الشهير  الذي انجزته «72 ساعة»، يومها عملت لـ 72 ساعة متواصلة اي ثلاثة ايام دون انقطاع. مع العلم بأن لوحاتها تشكل نوعاً من الفن التجريدي وتعايشاً ما مع الانطباعي المعاصر ورسوماً تقليدية وهي معروضة اليوم ضمن مجموعات خاصة في الشرق الاوسط واوروبا والولايات المتحدة الاميركية، اشارة الى ان بوكاسا هي كاتبة وعضو ناشط في المجتمع المدني في آن.

رسام مراحل
اما عمران القيسي الناقد والتشكيلي العراقي فيقول عن نفسه: «انا رسام مراحل واؤمن بان الفنان اذا اراد ان يكون فناناً فعليه ان يكون فنان مشروع فني وليس فنان لوحة. وشرح ان  خطأ الفنان العربي انه فنان لوحة واللوحة لوحدها لا تكفي لان تعطيه القيمة الحقيقية بل مشروعه الفني هو الذي يعطيه هذه القيمة الحقيقية. ومن هنا فان مسألة العولمة المعاصرة ترتبط بعلاقتها بالفن عبر المشروع الفني وليس عبر الفنان.
اما عن طريقته، فيقول انه يسعى الى بناء عمارة ثلاثية التركيب، قوامها الخط واللون والمساحة وهو يرغب في ان يسيطر على المساحة التشكيلية باللون قبل اي امر اخر، لان اللون بنظره هو مختبر، ومن هنا يتلاعب دائماً بكيمياء الالوان لان اللون بنظره هو اتحاد ثلاثي بين الماهية والضوء والعين الواعية.
وبالنسبة الى قيسي ليس في الفن مصادفة بل قصدية وهو يحرص على دراسة المواد كلها دراسة مختبرية قبل ان يستخدمها في لوحاته ويشتغل عليها ضمن مقومات النظام القصدي وليس من خلال المصادفة او العفوية.
باختصار فان الاعمال المعروضة كلها تستحق الوقوف عندها وتبقى زيارة المعرض اكثر من ضرورية

 

ك. ح  
 

العدد ٢٧٨٣ الاثنين١١ شباط (فبراير) ٢٠١٣ / ١ ربيع الثاني ١٤٣٤
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق