رئيسيملف

عمليات التجميل نعمة أم نقمة؟

في الأصل هي نعمة من عند الخالق، قد تكون كاملة وقد تكون منقوصة. لكن في الحالين ما عاد الفرق مهماً، فعمليات التجميل التي باتت تستنسخ شكلاً جديداً كفيلة في «صناعة» انسان جديد لكن من دون ملامح أو تعابير أو حتى ابتسامة! اذا لم تصدقوا راقبوا شاشات التلفزة أو فلفشوا صفحات المجتمع في المجلات الفنية. وباستثناء الاسم كلهن على صورة هذه الفنانة أو تلك الممثلة. شفاه منتفخة بالسيليكون ووجوه أقرب الى تماثيل الشمع «وتاتو» للشفاه والحاجبين والباقي تعرفونه سلفاً. أما التشوهات الناتجة عن عمليات التجميل ففاضحة وقد يكون الخطأ طبياً لكنه عند الفنانات والاعلاميات ناتج عن عدم قناعتهن بأنفسهن، فتكون نتيجة النفخ المبالغ التواء الشفة أو ترهل جفن وصولاً الى الوفاة… فهل من جرب علق؟ وكيف يمكن تفادي التشوهات والسقوط في تجربة أخطاء عمليات التجميل في زمن أصبح فيه الجمال من أساسيات المجتمع والزواج وحتى التوظيف؟! الحصيلة: اسألوا عن القناعة و«كنزها الذي لا يفنى» ولو تحت مبضع جراح تجميل!

بالكاد تلاحظ «ثنية» من هنا، أو خط تجاعيد على وجه فنانة أو إعلامية أو مطلق أي سيدة مجتمع، ومع ذلك ينكرن خضوعهن لعمليات تجميل. لكن الصورة المستنسخة تفضح المستور: شفاه منتفخة، بالكاد تسمح لصاحبها في التكلم أو الضحك أو حتى إقفال الفم عندما يحين موعد الصمت. وجفون مشدودة إلى الأعلى، وجاجبان مقوسان بطريقة الوشم وأنف مرسوم بأنامل نحات. مع ذلك لا تجرؤ على تسبيح الخالق لأن الواضح أن التدخل بشري بامتياز. وإذا كانت عمليات التجميل انطلقت من الفنانات والإعلاميات إلا انها طاولت غالبية بنات حواء من كل الفئات العمرية والإجتماعية، وصولاً إلى الرجال. ومع تعدد الخيارات باتت العمليات تشمل كل أعضاء الجسم، من دون استثناء.من التكبير الى التصغير ومن الرخيص الى الغالي. والنتيجة راقبوها على الشاشات وتحديداً في برامج الترفيه والفن والتسلية وصولاً إلى البرامج السياسية ونشرات الأخبار.

نعيمة عاكف اول من تجرأ
انطلقت عمليات التجميل من القاهرة التي صنفت العاصمة العربية الأولى لعمليات التجميل وأول عملية اجريت فيها أحيطت بالسرية التامة وكان ذلك في العام 1951. ويروى أن الفنانة الاستعراضية المصرية نعيمة عاكف كانت أول من تجرأعلى القيام بها، حيث خضعت لمشرط جراح التجميل الدكتور نادر سويلم الذي كان يرأس الجمعية العالمية لجراحات التجميل في الستينيات لإصلاح اعوجاج كانت تعاني منه في أرنبة أنفها. كما قام بعملية تصغير وتعديل صدر الفنانة ميرفت أمين، وأثارت جدلاً في الوسط الفني في السبعينيات.
أخطاء عمليات التجميل بدأت منذ انطلاقتها. فالفنانة صفية العمري كانت احدى ضحايا عمليات التجميل نتيجة عملية شد الوجه مما أدى إلى حصول تشوه في العين اليسرى، يومها اعترف طبيبها بأن الخطأ كان نتيجة إصرار الفنانة على شد وجهها بطريقة مبالغة مما أثر على عضلة العين وأدى إلى ارتخائها. أما الفنانة الراحلة ناهد شريف فحكايتها مأساوية مع عمليات التجميل إذ أصيبت بمرض خطير بعد خضوعها لعملية تجميل لصدرها أدى إلى وفاتها. كما أقدم النجم عمر الشريف على إزالة الشامة السوداء الكبيرة التي ميزته في شبابه وفي أفلامه الأولى، ليتسنى له تجسيد دور «دكتور جيفاغو» في بداية مشواره مع السينما العالمية.

صباح كادت تفقد بصرها
نصل إلى لبنان الذي تحول مع عمليات التجميل إلى عاصمة التجميل الأولى في العالم العربي. فالمطربة فيروز خضعت لعملية تجميل في أنفها في السبعينيات ليصبح اقرب إلى أنف النجمة العالمية صوفيا لورين. أما المطربة صباح فكادت أن تفقد بصرها أثناء إحدى عمليات شد الوجه التي تعرضت لها. واليوم بالكاد ترى فنانة صاعدة أو مخضرمة لم يمر عليها مبضع جراح تجميلي. ومنهن من ضربن الرقم القياسي حيث وصل العدد إلى 18 عملية تجميل، إلا أن صاحبة هذا الرقم ترى أنه مبالغ فيه جداً، وتعترف بأنها أجرت عمليات حقن للخدين والشفاه وعملية لبروز الصدر، وتجميل الساقين بسبب نحافتهما الزائدة!
إعتراف لا يحتاج إلى تبرير أو تفسير من أحد، خصوصاً أن هوس عمليات التجميل بدأ يسري على الرجال كما على المراهقات، وهذا ما أدى إلى تفاقم حالات التشوه والأخطاء الناتجة عن تفشي ظاهرة مراكز التجميل غير الشرعية أو إصرار «طالبة الجمال غير الطبيعي» على مضاعفة كميات المواد المخصصة للحشوة، مما يؤدي إما إلى التشوه المباشر أو بعد زوال مادةالبوتوكس.

لبنان في المركز الـ 24 عالمياً
يحتل لبنان المركز الـ 24 في العالم في عمليات التجميل وفقاً لإحصاءات الجمعية العالمية لعمليات التجميل، التي تحتسب حجم العمليات الجراحية في السنة قياساً الى عدد السكان. كما يفوق عدد الجراحات التجميلية التي تجرى في كل مركز تجميلي الـ 120 جراحة شهرياً، وتتنامى بنسبة 20 في المئة سنوياً. وبذلك بقي هذا القطاع في منأى عن اهتزاز الوضع الإقتصادي على غرار القطاع المصرفي. وبعدما كانت عمليات التجميل حكراً على فئة اجتماعية معينة، باتت اليوم مع قرض التجميل الذي يؤمنه احد المصارف في متناول كل سيدة وفتاة بين عمر 18 و22 عاماً، علماً أن دخلهن الشهري لا يتجاوز 600 دولار.
وفي العودة إلى بداياتها يؤكد الدكتور ناصيف نصر، إختصاصي في عمليات الترميم، أن جراحة التجميل بدأت كطب علاجي يقوم بترميم التشوهات التي يصاب بها الانسان نتيجة إصابته بحادث معين أو خلل في التكوين. وما لبثت ان تحولت الى جراحة شائعة يسعى إليها الراغبون في تغيير بعض ملامحهم النافرة أو التي يعتبرونها كذلك، إضافة الى الراغبين في اخفاء معالم الشيخوخة. ومع تقدم الطب لم تعد جراحة التجميل تقتصر على عناصر الوجه فقط، بل تعدتها الى كل انحاء الجسم. وإذا كانت نسبة الرجال التي تعير أهمية كبرى للشكل الخارجي قد ازدادت بشكل محدود، فإن غالبية النساء تعتبر ان الشكل الخارجي هو المفتاح إلى الثروة. وقد شجع نجاح مثل هذه العمليات وما تسفر عنه من نتائج جيدة عدداً كبيراً من اللبنانيين على أن يضعوا مصير شكلهم بين ايدي جراحي التجميل. وتلهث النساء وراء هذه العمليات اما لزيادة جمالهن أو للتشبه بالفنانات بعدما أصبح الخضوع لهذه العمليات امراً مقبولاً وشائعاً. فهل تكون هذه العمليات نعمة أم نقمة على أصحابها؟

حقن تجميلية ومضاعفات
مع التقدم الهائل في عالم التجميل تعددت أنواع الحقن التجميلية. منها ما يعمل على العضلات والأعصاب ويسمى بـ «النيوروتكسن» أو البوتوكس، والحقن العلاجية أو «الميزوثيرابي»، وحقن «الفيلرز» التي تعد أكثر الأنواع استخداماً.
إختصاصي في الأمراض التجميلية أوضح أن  طريقة تفاعل البوتوكس في الجلد بعد الحقن متفاوتة. فهو يعمل على شل العضلة التي تحقن، من خلال تغليف الإشارة العصبية في الجزء الذي يصل بين العصب والعضلة، حتى يتوقف عمل العضلة وتبقى مرتخية لمدة تراوح بين 4 أو 6 أشهر. وبعد زوال مفعول الحقنة، يبدأ العصب في استرداد وظيفته،  وتعود العضلة إلى الحركة من جديد. ويعتبر هذا النوع من الحقن مؤقتاً. أما المناطق التي يتم حقنها بالبوتوكس، فهي عضلات الجبهة وعضلات حول العينين، حيث يحدث في هذه المناطق ارتخاء للعضلات وتظهر التجاعيد. وهذا يظهر عادةً بعد سن الأربعين، ويمكن معالجته من خلال جلسة واحدة أو أكثر للوصول إلى النتيجة المرجوة. ولفت الإختصاصي إلى أن اختفاء التجاعيد بعد الحقن يتوقف على الكمية التي استعملت في الحقنة والمنطقة المحقونة، لكن حركة التجاعيد تخف بنسبة 70 في المئة فقط، ولا يمكن الوصول إلى نسبة 100 في المئة.
الآثار الجانبية التي قد تترتب على حقن البوتوكس تتمثل في  حصول انتفاخ في مكان الحقن، لكنها تعتبر آثاراً جانبية موقتة وتزول بعد فترة بسيطة. هذا في المبدأ والعموم، لكن الإستثناء وارد. فقد تطول مدة الإنتفاخ أحياناً  وتمتد لساعات في حال تم الحقن في منطقة العضل أو الوريد. أما الأضرار الصحية التي قد يسببها البوتوكس، فتتمثل في حدوث انخساف الحاجبين وسقوط الجفن المتحرك عند استخدام جرعة زائدة، إضافة إلى خيبة أمل لدى الشخص المعني من عدم نجاح الحقنة في المكان المناسب، وظهور ابتسامة غير متماثلة. وقد يعاني المريض من تسرب بعض اللعاب عند الحقن بالطريقة الخطأ في الفم، وحدوث مشكلات في النظام التنفسي في حال حقن الرقبة بكميات كبيرة من المادة المذكورة.
ومن التأثيرات التي تحصل على خلفية إساءة استخدام البوتوكس، أو الحقن في مكان خاطىء، الحد من حركة العضلة، وازرقاق قد يمتد أسبوعاً بكامله، وهذا يحدث مع أي نوع من أنواع الحقن، وقد لا تكون هناك أعراض في حال توافر الخبرة لدى الطبيب.
وعن أفضلية الحقن الدائم أو المؤقت، أكد أن الحقن المؤقت أفضل من الدائم حيث يكون للدائم أعراض جانبية. فمادة الكولاجين التي تشكل جزءاً من مواد الفيلر الدائمة أوقف استخدامها وذلك لصعوبة امتصاصها والتصاقها بالأنسجة، فيصبح الجلد عرضة للالتهاب. وأضاف: «يعمد بعض الأطباء إلى استخدام الدهون الذاتية كبديل للفيلر، والتي تقوم على أخذ الدهون من الجسم عينه وإعادة حقنها تحت الجلد والوجه لتعطي امتلاء، وقد تأخذ مدة أطول في حال تعايش الخلايا الدهنية محذراً من أخذها من جسم آخر، لأن مناعة الجسم تعمل على رفض دهون الجسم الآخر، إلا إذا كان هناك توافق أو تطابق بين الجسمين، وإذا تم إعطاء مادة تمنع دور المناعة، وهذا غير مستحب في العموم.

بدائل
وعن توافر البدائل في مواد الحقن التجميلية، قال الطبيب الاخصائي: «يعتبر السيليكون ومواد كيماوية أخرى، من المواد التي كانت تزرع تحت الجلد جراحياً، كما شكلت بديلاً عن الفيلر، لكن الأخير احتل المركز الأول نظراً لسهولة استخدامه. أما الأخطار الناجمة عن مادة «الهيالورونيك»، فهي إستثنائية وقد تسبب موتاً موضعياً في النسيج الحي، نتيجة خطأ تقني أو التهاب استثنائي، غالباً ما يشكل أعراضاً جانبية خطيرة. وقد يظهر هذا الالتهاب على شكل كيس أو حبيبات لدى الأشخاص الذين يعانون  من امراض ونقص في المناعة الذاتية، أو من يعانون حساسية مزمنة. وفي حال استعمال كمية كبيرة من المنتج أو حقن المناطق السطحية، كالشفاه مثلاً، فقد تظهر أورام تمتد ما بين 12 إلى 24 ساعة وتختفي بعد انقضاء 48 ساعة، وفي أقصى الحالات تدوم أسبوعاً. أما في منطقة العينين فقد يظهر ورم جيوبي تحت العينين في حال الإفراط في عملية التصحيح أو في استعمال منتج مكثف.
وذكر الطبيب ختاماً أن التجاعيد هي حالة فيزيولوجية طبيعية يصل إليها الجميع في عمر معين. إلا أن بداية ظهورها تختلف من شخص إلى آخر وفقاً للتركيبة الوراثية ولون الجلد والعرق. وقد تتأخر أعراض شيخوخة الجلد لدى أصحاب البشرة السمراء والشعب الآسيوي مقارنة مع أصحاب البشرة البيضاء، إضافة إلى بعض العوامل البيئية كالتعرض الطويل لأشعة الشمس والتدخين والنمط الحياتي أو الغذائي غير الصحي.

المبالغة في النفخ
مديرة مركز «آمابيل» للتجميل آمال بعيني أكدت ان التشوهات التي نلاحظها على وجوه غالبية الفنانات ومقدمات البرامج مؤخراً ناتجة عن إصرارهن على مضاعفة كميات مواد الحقن على المبالغة في النفخ مما يؤدي إلى حصول تشوهات وكدمات أو تورم في الشفتين بعد زوال المواد المالئة. ولفتت إلى أن هذه الفئة تتوجه الى  أشهر الأطباء مما يعني أن الخطأ ليس طبياً، من هنا يجب اعتماد الكميات المعقولة والإكتفاء بالنسبة المفروضة لأعمارهن. وتمنت على المراهقات أو الفتيات اللواتي لم يبلغن سن الأربعين عدم الإصرار على استعمال مواد مكثفة لأن النتائج ستظهر على شكل تشوهات بعد بلوغ هذه السن. ويبقى الجمال الطبيعي نعمة من عند الخالق مهما حاولوا تغيير اشكالهن. كما تمنت على السيدات العاديات عدم اللجوء إلى الأماكن غير المرخصة من الجهات الصحية، وعلى الأطباء اختيار الحقن المتعارف عليها عالمياً وتفادي المنتج الرخيص لأن غالبية الحقن المتداولة حالياً لا تتطلب اختبار حساسية إلا في حالة حقن الكولاجين التي قل استعمالها مع توافر حقن حمض الهيالورنيك التي تعد آمنة.

صرخة خبراء التجميل
أظهرت الدراسات الأخيرة أن لبنان يسجل العدد الأكبر من العمليات التجميلية التي تزداد يوماً بعد يوم. هذا الواقع شكل نقطة انطلاق للتغيير من خلال  ثلاثة خبراء تجميل عالميين هم  بسّام فتوح وهالة عجم وفادي قطايا، بهدف توضيح الفرق بين العمليات التصحيحية، التي تقوم بتجميل المظهر وزيادة الثقة بالنفس، والهوس بعمليات التجميل، التي تشوّه ملامح الوجه وتغيّره تماماً.
خبير التجميل فادي قطايا أكد انه ضد العمليات التجميلية التي تحدث عشوائياً من دون مراعاة الأسس الجمالية. ووجه دعوة إلى النساء بعدم المبالغة، والاكتفاء بالاهتمام بجمالهن الطبيعي، «ولهذه الغاية نحن مستمرون في الحملة عبر وسائل الإعلام المختلفة، ولا سيما عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وسنقوم بتقديم النصائح للنساء كوسيلة بديلة عن التوجه الى عمليات التجميل». وختم قطايا: «حتى في أوروبا، هناك توجه كامل نحو الجمال الطبيعي مع التركيز على  المنتوجات التي تعنى بأمور الماكياج والتجميل، مثل حشوة الفم والخدين. لذلك أعتبر أن الجمال ثقافة، ويجب أن تفهم كل سيدة هذا الشعار جيداً حتى تحافظ على جمالها الطبيعي»

 

جومانا نصر

العدد ٢٧٨٣ الاثنين١١ شباط (فبراير) ٢٠١٣ / ١ ربيع الثاني ١٤٣٤
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق