ماذا عن وضع اكراد العراق والمنطقة في ضوء الدور الكردي المتعاظم في شمال سوريا؟

تجدد الحديث في الآونة الاخيرة، عن مستقبل المجموعات الكردية في الدول التي ينتشرون في اجزاء منها، وبالتحديد في العراق وتركيا وايران وسوريا، في ضوء المواجهات الضارية التي تخوضها اخيراً المجموعات الكردية المنضوية تحت لواء حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي السوري بزعامة صالح مسلم، وسواه من القوى والمجموعات الدائرة في فلكه، مع مسلحي تنظيم «الدولة الاسلامية في العراق وبلاد الشام» المعروف باسم «داعش».
اسفرت المعلومات والمعطيات عن ثلاثة معطيات اساسية وهي:
– المجموعات الكردية المنضوية تحت لواء «لجان حماية الشعب الكردي» حققت في الآونة الاخيرة سلسلة نجاحات ميدانية حدت الى حد بعيد من امتداد تنظيم داعش، وحررت مناطق ذات اغلبية كردية وغير كردية على الحدود بين سوريا والعراق من جهة، وبين سوريا وتركيا من جهة اخرى، وبالتحديد في محافظتي الحسكة والرقة.
لقد كانت ذروة هذه الانتصارات الميدانية في نجاح المجموعات الكردية في السيطرة على معبر اليعربية وهو احد المنافذ على الحدود السورية – العراقية، لكن التطور الاهم من ذلك تمثل في تخليص مدينة اليعربية نفسها من يد مسلحي «داعش».
وبصرف النظر عن مآل الاوضاع في الميدان، وهي اوضاع ليست بالضرورة ثابتة ونهائية، فإنه من الاهمية بمكان الانطلاق من دلائل ومغازي هذا الحدث الميداني المهم وغير المسبوق في الاحداث السورية، للحديث عن مساعي المجموعات الكردية في سوريا اولاً وفي دول الجوار اي العراق وتركيا في المقام الثاني، واستطراداً ما هي الاهداف والطموحات التي بدأت تراودها بعد مرور عامين ونصف العام على اندلاع الاحداث الملتهبة في الساحة السورية؟
ارتباك وانقسامات
– دور العنصر الكردي في الساحة السورية فرض معطيات ووقائع جديدة انعكست على الوجود الكردي في دول المنطقة عموماً. فالمعلوم ان الاكراد في سوريا عاشوا في بداية اندلاع الاحداث في الساحة السورية نوعاً من الارتباك حيال امرين الاول: موقعهم في ما يحدث وفي اي المعسكرين سيكونون، هل في معسكر النظام ام في صف المعارضة السورية الطامحة بوضوح الى اسقاط نظام الرئيس بشار الاسد وبناء نظام جديد تنتفي منه صفة الشمولية.
الثاني: تتحدث المعلومات الواردة من اماكن الثقل الكردي في الشمال السوري وبالتحديد في القامشلي عن انقسامات بين المجموعات الكردية. فبعضها ابقى جسور التواصل مع نظام الرئيس الاسد قائمة، في حين ان البعض الاخر ولا سيما المجموعات والقوى ذات الخلفية اليسارية والعلمانية والتوجهات القومية المتشددة مدت قنوات اتصال مع المعارضة وبعثت بمن يمثلها في اطرها العليا التي تشكلت في اسطنبول وفي الدوحة وسواها، لا بل ان المعلومات بدأت تتحدث عن وحدات كردية داخل الجسم الفضفاض للجيش السوري الحر.
– وعلى المستوى السياسي العام، انقسم اكراد سوريا بين راغب باستغلال التطورات الدراماتيكية المتسارعة ورفع لواء شعار الحكم الذاتي لاكراد سوريا المتراوح عددهم حسب الاحصاءات المتعددة بين مليونين واربعة ملايين كردي نصفهم لا يحمل الجنسية السورية، وبين متردد ومتوجس من بقاء النظام السوري الحالي، فسارع الى الدعوة الى اقرار الحقوق التي يطالب بها الاكراد في سوريا منذ اعوام وخاضوا من اجلها مواجهات شرسة في محطات عدة مع النظام ومؤسساته الامنية والعسكرية.
وظلت الحيرة هي سيدة الموقف في الشارع الكردي السوري الى ان حسم حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي في سوريا بزعامة صالح مسلم موقفه، وشرع في مواجهة ميدانية مع مجموعات التنظيمات المعارضة السورية المتشددة، وبالتحديد «داعش» و«جبهة النصرة» و«لواء التوحيد».
حصل ذلك منذ نحو ثلاثة اشهر على وجه التقريب، فيومها بدا واضحاً لهذا الحزب الكردي الاكثر نفوذاً بين اكراد سوريا والذي يعتبر ضمناً النسخة السورية لحزب العمال الكردستاني بزعامة عبدالله اوجلان المعتقل في السجون التركية منذ عام 1999، من حيث الافكار والعقائد ومن حيث الطموحات، فضلاً عن العلاقات الوثقى بين الطرفين.
انتصارات
وعندما تحدثت وكالات الانباء عن انتصارات حققتها المجموعات الكردية المسلحة المنضوية تحت لواء هذا الحزب حيث تمكن من بسط سيطرته على العديد من المناطق ذات الثقل الكردي ودحر عنها الوجود العسكري للمجموعات المعارضة المتشددة، دخل عنصر المكون الكردي بشكل قوي لا يمكن تجاهله على معادلة الصراع في سوريا وفي المنطقة عموماً، اذ استدعت انقرة مسلم اليها للمرة الاولى، فما كان منه الا ان اكمل رحلته الى طهران، ثم الى شمال العراق ليصير لاحقاً جزءاً اساسياً من هذه المعادلة الصعبة والمعقدة.
وانقرة نفسها التي استدعته تحت وطأة الترغيب والترهيب، كانت قد نجحت قبل ذلك في ابرام صفقة اولية للتفاهم مع حزب العمال الكردستاني الذي اعلن زعيمه اوجلان من سجنه التركي، هدنة طويلة، وطلب من انصاره المسلحين والذين يقاتلون القوات التركية منذ اكثر من 30 عاماً بالانكفاء والخروج من تركيا او القاء السلاح.
وعليه، بدا ان ثمة صفقة كبرى بطلتها انقرة وغايتها اغراء الاكراد في سوريا للعودة نهائياً الى صفوف قوى المعارضة للنظام في سوريا، على ان يكون لهم حقوق مكتسبة واكيدة بعد اسقاط نظام الرئيس السوري الذي بدا حينها حتمياً، وان يكون لهم ايضاً حقوق في تركيا تحفظهم كقومية مختلفة وتعطيهم اغلب ما كانوا يطالبون به.
لكن يبدو جلياً ان رياح الامور سارت عكس ما اشتهت تركيا المتعطشة الى اسقاط الاسد بأسرع وقت وبأي ثمن، اذ ان غالبية اكراد سوريا او عصبهم المقاتل لم يشأ ان يسير في ركاب معارضة نظام الرئيس الاسد حتى النهاية.
نحو معقل الاكراد
وحيال ذلك التطور الدراماتيكي في وضع العامل الكردي في الازمة السورية، كان لا بد لانظار المراقبين والعواصم على حد سواء ان تتجه نحو معقل الاكراد الحالي في المنطقة اي في شمال العراق حيث التواجد الديموغرافي الاكبر بلا منازع للاكراد، حيث يتواجد نحو 6 ملايين كردي على مساحة ارض تصل الى نحو 50 الف كيلومتر مربع لا يشاركهم في سكناها اية مجموعات اثنية اخرى.
وهم فوق ذلك حصلوا منذ عام 1990 على حقوق ومكاسب وضعتهم على سكة التحول في يوم سيأتي عاجلاً ام آجلاً الى دولة مستقلة كاملة السيادة.
سلطات العراق التي لا تخفي طموحها في ان تكون المرجعية الام لاكراد دول المنطقة عموماً، بدت منقسمة على نفسها حيال الوضع الكردي الطارىء في الساحة السورية المجاورة. اذ بدا واضحاً ان رئيس الاقليم رئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني وسليل الزعامة التاريخية للاكراد، مسعود البرزاني يقف موقف المتحفظ والمتردد والمتخوف من الوضع الكردي الناشىء في سوريا وعلى الحدود الاقليمية.
ورغم ان البرزاني نفسه لوح اكثر من مرة بالمبادرة الى دعم الاكراد في الساحة السورية، وخصوصاً في مواجهة هجمات المجموعات المتشددة وطموحاتها الكبيرة الواضحة في الاستيلاء على اكبر مساحة من الارض في شمال سوريا قبل الاستحقاقات الكبيرة، الا انه لم يبادر بشكل واسع ومكشوف الى ترجمة اقواله افعالاً.
وزاد في الموقف غموضاً ان سلطات اقليم كردستان العراق اصدرت اخيراً قراراً بمنع مسلم من العودة الى اراضيها بعدما كان فيها وغادرها للمشاركة في دفن جثمان نجله الذي قضى في المعارك مما اثار موجة استياء وموجة تساؤلات عن مستقبل العلاقة بين الطرفين وبالتحديد عما يحاذر منه البرزاني وعن مخاوفه المستقبلية بهذا الشأن.
واللافت ان الحزب الثاني الاقوى في كردستان العراق اي الاتحاد الديموقراطي الكردستاني بزعامة الرئيس العراقي الذي يخضع منذ اشهر للعلاج في الخارج، جلال الطالباني اخذ موقفاً مغايراً لموقف البرزاني ورفض الاجراءات والتدابير بحق مسلم.
بيضة القبان
وعليه، فإن السؤال المطروح بإلحاح هو: ماذا عن مستقبل العلاقة بين اكراد سوريا الباحثين عن مصير وداعم من ابناء جلدتهم في شمال العراق والبرزاني؟
الواضح ان البرزاني وكعادته يقيم عملية مفاضلة وموازنة بين مكاسبه وخسائره، ان هو ذهب بعيداً في نصرة اكراد سوريا، وبالتحديد حزبهم الاكبر وبين ارباحه وخسائره ان هو دخل معهم في حالة مواجهة، ادراكاً منه ان اقليمه هو بمثابة بيضة القبان في هذا الموضوع.
المعلوم ان الرجل على علاقة وثقى ومزمنة مع الاميركيين وهم بالنسبة له المرجع والحليف وهو ايضاً على علاقة مميزة مع انقرة، وبالتحديد مع الحزب الحاكم حالياً هناك، وبالتالي فهو لن يحسم موقفه حتى تأتيه كلمة السر الحاسمة من واشنطن ومن انقرة.
اضافة الى ذلك، فإن البرزاني له علاقات قديمة مع طهران، لذلك فهو يتصرف ازاء ما يحصل في المناطق الكردية في سوريا تصرف حامل ميزان الذهب، وهو ان كان يخشى ان تجر عليه مواقف سلبية من اكراد العراق الذين يتملكهم شعور التعاطف حالياً مع ابناء اثنيتهم في سوريا، الا انه يدرك تمام الادراك انه بالامكان اعادة رأب الصدع مع اكراد سوريا وبسرعة قصوى بأفضل مما لو كان على علاقة بواشنطن او انقرة او طهران وامتداداً الى دول الخليج.
ولم يعد خافياً اطلاقاً ان البرزاني نجح منذ ان اشتعل فتيل الاحداث في الساحة السورية في اتخاذ مواقف لا تغضب اي طرف من اطراف الصراع ولا تجعله في جيب اي طرف من هذه الاطراف. ويبدو جلياً انه لن يشذ عن هذا النهج حتى ولو اقتضى الامر ان يجر عليه استياء من اكراد العراق او سوريا وحتى تركيا، فالامر يمكن معالجته في حينه.
وفي كل الاحوال هناك حرص من الاطراف الكردية على ان لا يتحول التناقض او الخلاف صراعاً على الارض.
ا. ب