قمة البشير – سلفا كير: ادارة مشتركة لحل الخلافات حول ابيي

يبدو ان الرئيسين «البشير وسلفا كير» يعيشان ظروفاً استثنائية، ويواجهان تحديات ليست بسيطة، الامر الذي دفعهما الى تغليب مصلحتيهما، والبحث عن حلول وسطية من شأنها ان تضع حداً للازمة المتفاقمة بين دولتيهما، والتي تتركز في ملفات عدة ما زالت متفجرة حتى اللحظة.
العلاقات بين دولتي السودان، وبالتالي بين الزعيمين عمر البشير وسلفا كير، بلغت حداً من التوتر، ودخلت في مجال المواجهات العسكرية قبل ان يصطدم كل منهما بازمات داخلية اضطرا معها الى اجراء جراحات عاجلة املاً بالوصول الى ضبط ايقاع الحراكات الاحتجاجية، حيث اقدم سلفا كير على حل الحكومة واستبدالها باخرى، واقصاء العديد من المستشارين والقياديين الذين لم يكن يعجبهم اسلوبه في الادارة، والذين كانوا على وشك الانقلاب عليه. كما اقدم البشير على مواجهة ثورة عارمة وانقسامات في دائرة الحكم.
قمة واهداف مزدوجة
القمة الاخيرة التي استضافتها عاصمة جنوب السودان «جوبا»، والتي ضمت الزعيمين سلفا كير والبشير، كانت اهدافها مزدوجة. فمن جهة ارادت ان توجه انظار الخصوم في كل دولة نحو عمليات مصالحة طالما نظر لها البعض كثغرة في جدار نظامي الدولتين. ومن جهة اخرى اريد لها ان تقترب خطوة من حل سياسي وامني لمشاكل عالقة طالما دفعت بالبلدين الى المواجهة العسكرية، واستنزفت مقدراتهما بأساليب متعددة الاشكال. فالقمة التي جاءت في ظروف بالغة الحساسية، نجحت – كما يبدو – في تجميد بعض الخلافات، والتأسيس لحلول يعتقد البعض انها قد تأتي بنتائج ايجابية فيما لو توافرت النوايا الحسنة من قبل الطرفين.
لكنها في الوقت نفسه محفوفة بكم كبير من المخاطر، بحكم حالة انعدام الثقة التي تحيط بها، والتي باتت تحكم السكان المعنيين بأية حلول تنهي ازماتهم، وتضع حداً لمعاناتهم، بما في ذلك المعاناة اليومية بشقيها المعيشي والامني والتي دفعت افراد بعض القبائل التي تسكن منطقة ابيي الى التمرد على الدولتين، والبدء باتخاذ خطوات واجراءات احادية للخروج من عنق الزجاجة.
فبعد ان فقدت قبيلة الدنكا – اكبر قبيلة من القبائل التي تسكن منطقة ابيي – الامل في توافق الدولتين على ترتيبات الاستفتاء الذي يحدد مصير المنطقة، اعلنت القبيلة من تلقاء نفسها عن تنظيم استفتاء خلال فترة لا تتجاوز الاسبوعين لتحديد مصير المنطقة وتبعيتها لاية دولة، وسط معلومات تشير الى رغبة داخلية في الاستقلال وعدم التبعية لاي من الدولتين، واخرى تشير الى انحيازها الى دولة الجنوب.
وأعلنت قبيلة «دينكا نقوك» في مؤتمر عام عقد في 18 تشرين الأول (اكتوبر) الفائت، عن تشكيل مفوضية شعبية، للاشراف على إجراء «استفتاء مجتمعي» قبل نهاية الشهرمن جانب احادي لمعرفة آراء ابناء القبائل بخصوص تبعية المنطقة.
ازمة جديدة
لكن القمة التي كان ملف ابيي مدرجاً على جدول اعمالها رفضت هذا القرار، واكدت انها لن تعترف بنتائج الاستفتاء الذي تصر القبيلة على اجرائه، ما يعني ان الازمة بين الدولتين ولدت ازمة جديدة محورها رغبة قبيلة الدنكا في اجراء استفتاء يحدد مصير المنطقة، او – على الاقل – الجزء الذي تسكنه تلك القبيلة، والتي تتقاسم المنطقة مع قبيلة اخرى هي قبيلة «المسيرية» ذات الاصول العربية.
ولمواجهة هذا التطور الذي اجمع الزعيمان على خطورته، اتفق البشير، وسلفا كير على إنشاء إدارة مشتركة، مهمتها التمهيد لحل المشاكل المتعلقة بمنطقة أبيي الغنية بالنفط المتنازع عليها بين البلدين.
وبحسب البيان الصادر في ختام القمة، اتفق الطرفان على الإسراع في إنشاء هذه الإدارة، لحل الخلافات العالقة الخاصة بأبيي، وذلك قبل إجراء الاستفتاء حول تقرير مصيرها، ومن أهم هذه الخلافات «أهلية الناخب» الذي يحق له التصويت في الاستفتاء. كما اتفق الطرفان على ضرورة الإسراع في تحديد الخط الصفري الفاصل بين قوات البلدين، وإنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح بينهما في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري.
وكان من المفترض أن يجرى الاستفتاء لسكان أبيي، بالتزامن مع استفتاء انفصال الجنوب عن الشمال في كانون الثاني (يناير) 2011، إلا أن الاختلاف حول أهلية الناخبين، عطل الخطوة. وتتمسك الخرطوم بمشاركة قبائل المسيرية (ذات الأصول العربية) البالغ عددهم حوالي 450 ألفاً في الاستفتاء، بينما يطالب الجنوب بأن يقتصر التصويت على قبيلة «دينكا نقوك» ذات الأصول الأفريقية المتحالفة معه، والتي يقدر عدد أفرادها بحوالي 200 ألف.
ملفات مفجرة
الى ذلك، اشارت تقارير عديدة الى ان ملفات «سفاهة» وابيي، و«تعويضات الاصول» شكلت اهم عناصر التفجير للقمة.
واشارت التقارير الى ان الخلافات حول منطقتي «سفاهة» العازلة والمعروفة بـ (الميل 14)، ومنطقة أبيي الغنية بالنفط شكلتا اهم الاخطار التي هددت بافشال القمة، حيث طالبت الخرطوم بتعويض مالي يبلغ ملياراً ومائتي مليون دولار عن شركة سودابت النفطية نظير أيلولة أصولها لدولة الجنوب بعد انفصالها عن السودان» في تموز (يوليو) 2011. الا ان جوبا رفضت دفع التعويض، بحجة وجود اتفاق بين الدولتين على الإعفاء المتبادل للديون بينهما.
ويتنازع البلدان أيضاً حول مدى انسحاب الجيوش من منطقة «سفاهة» المعروفة بالميل 14، حيث يتحفظ السودان على اعتبار منطقة الميل 14، الواقعة جنوب بحر العرب، كمنطقة تابعة للجنوب. كما تطالب السودان بانسحاب جيش دولة جنوب السودان 23 كيلومتراً جنوباً، خارج مناطق النزاع بين البلدين، بينما يطالب الجنوبيون بانسحاب الجيش السوداني للمسافة ذاتها وهو ما ترفضه الخرطوم باعتبار أن ذلك يتجاوز المنطقة العازلة المقترحة بأكثر من 10 كيلومترات.
وفي مسار آخر، دارت مواجهات مسلحة بين القوات الحكومية السودانية ومتمردي حركة تحرير السودان قرب مدينة مليط الاستراتيجية في شمال دارفور. وقدم طرفا النزاع حصيلتين متضاربتين للمواجهة: ففي حين قللت الخرطوم من شأن ما جرى مؤكدة انه حادث محدود وان قواتها قتلت خمسة من المهاجمين المتمردين من دون ان تخسر اي رجل، اكدت حركة تحرير السودان بزعامة عبد الواحد محمد نور ان مسلحيها تمكنوا من دخول المدينة الاستراتيجية قبل ان ينسحبوا منها، وانهم قتلوا 15 عنصراً من القوات الموالية للحكومة وخسروا بالمقابل رجلين فقط. وفي مسار مختلف، اعلن اصلاحيون داخل الحزب السوداني الحاكم انهم سيغادرون حزب المؤتمر الوطني الذي يرغب في استبعادهم بهدف تشكيل حزب سياسي جديد.
السودان – «الاسبوع العربي»