السعودية: 860 مليار ريال النفقات، و 715 ملياراً الايرادات: موازنة طموحة رغم العجز

على مدى الايام والاسابيع القليلة الفائتة، شهدت أسواق المال الدولية حالة من الترقب الشديد للاعلان عن الموازنة السعودية للعام 2015، ذلك أن السعودية هي صاحبة أكبر اقتصاد في المنطقة، كما أنها اللاعب الرئيسي في سوق النفط العالمي لأنها أكبر المنتجين والمصدرين وتقود دول أوبك، وبالتالي فإن أي رقم تضعه المملكة في موازنتها يعطي إشارات ودلالات للأسواق، وعلى رأسها أسواق المال والبورصات والعملات والنفط.
أن الظروف التي يتم فيها وضع أرقام موازنة 2015 الجديدة تختلف عن سابقتها، فهناك تهاوٍ مستمر لأسعار النفط التي فقدت نحو 50% من قيمتها منذ شهر حزيران (يونيو) الماضي وحتى الأن، علماً بأن الإيرادات النفطية تشكل أكثر من 90% من إيرادات ميزانية المملكة، وهناك حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة، خصوصاً في العراق وسوريا وليبيا، قد تؤثر سلباً على اقتصاديات المنطقة بالكامل، كما أن خطر داعش لا يزال مستمراً ويبدو أنه لن يتم حسمه قريباً.
وفي ظل هذه الظروف توقع كثيرون أن تشهد موازنة المملكة لعام 2015 تراجعاً شديداً في الإنفاق الحكومي، خصوصاً على المشروعات الجديدة بسبب تهاوي أسعار النفط وتراجع الإيرادات. وتوقع البعض ان تعمد المملكة الى ترشيد الانفاق، او تخفيض الدعم، ورفع بعض اسعار السلع الاساسية. كما فعلت بعض دول الخليج الأخرى، فالإمارات على سبيل المثال رفعت أسعار الكهرباء، في حين رفعت البحرين والكويت وسلطنة عمان، أسعار المشتقات البترولية خصوصاً البنزين.
ارقام الموازنة
الا ان ما فعلته الحكومة السعودية كان مفاجئاً بالنسبة للبعض، فأرقام الموازنة الجديدة لعام 2015 شهدت ارتفاعاً في الإنفاق الحكومي لمستوى قياسي وليس العكس رغم التحديات الاقتصادية والسياسية، وتسجيل الموازنة عجزاً للمرة الأولى منذ وقوع الأزمة المالية العالمية في آب (اغسطس) 2008.
معنى ذلك أن السعودية واثقة من الخطوات التي تقوم بها في ملف أسعار النفط، وبالتالي اتبعت السياسة التوسعية فى الانفاق العام ولم تطبق السياسة التقشفية التي تلجأ اليها بعض الدول لمواجهة تراجع الايرادات العامة، وبالتالي ترى أن أزمة تهاوي الأسعار لن تؤثر على ايراداتها وخططها التوسعية على المدى البعيد، حتى ولو انخفضت الأسعار إلى أدنى مستوى لها منذ 2009، أو أنها تنظر للأزمة الحالية على أنها عابرة، أو أن المملكة تعتمد على الرصيد الضخم من الاحتياطيات الدولية في تغطية أي عجز متوقع ومواجهة أزمة قد تطول.
بالارقام، اظهرت الموازنة العامة للمملكة العربية السعودية للعام 2015، التي اقرت قبل ايام، ارتفاعا في الإنفاق الحكومي لمستويات قياسية، تجاوزت التحديات الاقتصادية. دون ان تتخلى عن توقعات بتسجيل عجز للمرة الأولى منذ ست سنوات بفعل تراجع أسعار النفط.
ووفقاً للموازنة التي أعلنتها وزارة المالية تتوقع الوزارة أن تبلغ النفقات العامة 860 مليار ريال ( 229،3 مليار دولار) في العام 2015، ارتفاعا من 855 ملياراً في موازنة العام 2014 والتي شهدت أول خفض في الإنفاق منذ 2002.
ومن المتوقع أن تبلغ الإيرادات 715 مليار ريال في 2015 وهو ما يجعل المملكة أكبر مصدر للنفط في العالم تسجل عجزاً في الموازنة للمرة الأولى منذ الأزمة المالية العالمية في 2009، بقيمة 145 مليار ريال.
ترقب الاسواق المالية
وترقبت الأسواق المالية عن كثب إعلان موازنة السعودية لرؤية تفصيلية حول كيف ستعالج المملكة تأثير الانخفاض الحاد الذي شهدته اسعار النفط هذا العام، حيث تراجعت اسعار النفط الى ستين دولاراً للبرميل من 115 تقريباً.
وقد ادى ذلك، الى توقعات بتراجع الانفاق في الموازنة العامة السعودية. الا ان الارقام الحقيقية جاءت معاكسة لتلك القراءات، حيث جاء الانفاق على مشاريع البنية التحتية، والمشاريع الاستثمارية، مرتفعاً عن موازنة العام الفائت التي تميزت بوفرة في الايرادات وبكم من الاحتياطات التي يتوقع ان يتم توظيف جزء منها في سد العجز المتوقع.
وقال بيان وزارة المالية السعودية ان المملكة ستواصل الاستثمار في المشاريع التنموية لقطاعات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية. كما ستواصل انتهاج سياسة مالية معاكسة للدورات الاقتصادية لتقوية وضع المالية العامة وتعزيز استدامتها، مضيفاً أن ذلك يتم عبر بناء احتياطيات من الفوائض المالية الناتجة من ارتفاع الإيرادات العامة للدولة في بعض الأعوام للاستفادة منها عند انخفاض هذه الإيرادات في أعوام أخرى.
ورغم الارقام المرصودة في الموازنة، قدرت الوزارة أن تبلغ المصروفات الفعلية 1100 مليار ريال في العام الحالي، والإيرادات الفعلية 1046 ملياراً بنهاية العام وهو ما يعني تسجيل عجز بواقع 54 مليار ريال خلال العام.
في الاثناء، برزت على السطح تساؤلات حول ما اذا كانت المملكة ستستمر في تنفيذ التزاماتها تجاه بعض الدول، وخصوصاً مصر.
التزامات المملكة
وفي هذا السياق، أكد عبد الرحمن السدحان أمين عام مجلس الوزراء السعودي، أن انخفاض سعر النفط في السوق العالمية، لن يؤثر على التزامات المملكة تجاه شقيقتها مصر.
وأضاف السدحان في تصريحات نشرتها صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، أن السعودية في مقدمة الدول الإسلامية والعربية التي تسعى لدرء العثرات من خلال المعونات التي تقدمها وتصل لأقصى الدنيا. وأشار السدحان إلى أن الميلاد الجديد للميزانية السعودية، حمل مؤشرات للخير وكثيراً من الأماني والطموحات التي تشغل بال كثير من المواطنين، مؤكداً أن الفرصة أقرب من أي وقت مضى لتحقيق تلك الآمال على الرغم من تكالب الهموم الاقتصادية الراهنة على مستوى العالم. وأضاف أن الثروة والاستقرار اللذين تنعم بهما البلاد، يمكنانها من تغطية الطموحات ومحاولة الوصول الى رضا المواطنين وإرضاء تطلعاتهم في تحقيق حياة هانئة بعيدة عن الفقر والمرض والعوز، مبيناً أن جزءا هاما من هواجس الميزانية التي بنيت عليها الأرقام، هو الوصول للحل الأمثل في توفير الرعاية الصحية وتحسين الوضع المعيشي للسكان.
وذكر السدحان، أنه لا يستبعد زيادة أجور المواطنين، لأنها جزء من اهتمام خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده، مشدداً على أن قراراً بهذا النوع يحتاج للتجهيز اللازم، وأن ما يرجوه المواطن سيتحقق.
واشار في سياق آخر، إلى دعم الأجهزة المعنية بمكافحة الإرهاب مالياً، وتمويل البنود الخاصة بمكافأة أسر الشهداء وإعانة ذويهم بما يوفر لهم حياة كريمة.
الرياض – «الاسبوع العربي»