رئيسيملف

منظمات المجتمع المدني جربوها!

في طفرتها دليل حيوية وعافية، لكن عندما نقرأ أنه في عام واحد تأسست 884 جمعية أي بمعدل 3 جمعيات يوميا، تتحول الجدوى الى مساءلة عن دور الجمعيات التي تفرخ كالفطر في لبنان. والأهم من يراقب عملها وطريقة تمويلها وصرف المبالغ التي تدخل في حسابها؟ واذا قلنا مساءلة فهذا لا يعني التضييق عليها كما الحال في بعض الأنظمة، ولا تركها تلهو بعقول الناس تحت شعار «الحرية الاجتماعية». اذاً هي مسألة رؤيا وثقافة. ولو قدِّر للمواطن أن يراقب عمل المنظمات والجمعيات، لتأكد أن المجتمع المدني بعيد عنه، ولا علاقة بين شعاراتها ومعاييرها المستوردة والواقع المزري الذي وصل اليه. قلتم جمعية؟ المسألة لا تحتاج الى أكثر من علم وخبر وجهة ممولة. والباقي على همة المتطوعين وفق ما تمليه عليها قناعاتهم واتجاهاتهم السياسية والاجتماعية، ويبقى اختيار الاسم والشعار!

في لبنان حق التجمّع والإجتماع وتأسيس الجمعيات مُصان، ويشكل العمل الخيري وتنظيمه في إطار جمعيات خيرية وإنسانية خطوة طبيعية وبدهية نظراً إلى تأصل أعمال الخير في المجتمع واعتباره جزءاً من الموروثات المتمثلة  في أعماق الوجدان اللبناني أو عبر الوازع الديني والأخلاقي الذي يتماشى مع الأحكام والمبادىء وتعاليم مختلف الأديان. لكن الواضح أن مسألة تأسيس الجمعيات في لبنان تحولت إلى باب للرزق، و«بريستيج» في بعض المطارح، أو الى مصدر للتسكع عند أبواب المنظمات الدولية المانحة أو الى إطار تحضيري للإنتخابات. ناهيك عن سعي  مسؤولي بعض الجمعيات نحو الأهداف السياسية التي تُبعد الجمعية عن أهدافها الأصلية.
وعلى رغم النجاح الذي تحققه غالبية الجمعيات إلا أن الواقع الفعلي يشير إلى عدم وجود تخصص في الخدمات التي تقدمها هذه الجمعيات، وطغيان طابع الرعاية الإجتماعية، دون التطرق إلى التنمية الإجتماعية التي تتطلب التفاعل مع المستفيدين من الخدمات الإنسانية، والمشاركة في تحديد شكل هذه الخدمات.

علم وخبر
قد يكون لب المشكلة في التأسيس الذي تحول منذ العام 2006 إلى مجرد تقديم طلب للحصول على العلم والخبر بعدما كان يتطلب ترخيصاً فما هي اصول تأسيس وتنظيم الجمعيات في لبنان؟
في 19 ايار (مايو) 2006، أصدر وزير الداخلية والبلديات بالوكالة احمد فتفت تعميماً رقم 10/2006 يحدد آلية جديدة في أخذ وزارة الداخلية والبلديات العلم والخبر بتأسيس الجمعيات في لبنان، وتسهيل هذا الأمر تطبيقاً لأحكام قانون الجمعيات الصادر في العام 1909 وتعديلاته. وللعلم فإن عبارة «علم وخبر» تركية الأصل وتعني وثيقة تشهد بتسلم مبلغ من المال أو رسالة أو وثائق أو إشعاراً.
نعود إلى القانون اللبناني بمواده المتعلقة في تأسيس جمعية. فقد نصت المادة الثانية من قانون الجمعيات على «ان تأليف الجمعية لا يحتاج إلى رخصة في أول الأمر، ولكنه يلزم في كل حال إعلام الحكومة بها بعد تأسيسها.  وتنشأ الجمعية بمجرد التقاء مشيئة مؤسسيها وتوقيعهم على أنظمتها، من دون الحاجة إلى أي ترخيص من السلطات الإدارية. أما الإستثناءات التي تخضع بعض الجمعيات لموجب ترخيص الإدارة المسبق فتشمل الجمعيات الأجنبية (مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء)، وجمعيات الشباب والكشاف والرياضة (ترخيص وزارة الشباب والرياضة)، والجمعيات التعاونية (ترخيص المديرية العامة للتعاونيات)، والصناديق التعاضدية الزراعية (ترخيص وزارة الزراعة)، والنقابات العمالية والمهن الحرة (ترخيص وزارة العمل)، والنقابات الفنية (ترخيص وزارة الثقافة)
وبناء على التدقيق الذي تجريه وزارة الداخلية  يعطى المؤسسون بياناً يشير إلى أن الوزارة أخذت علماً بتأسيس الجمعية وذلك دون إحالة العلم والخبر الى أي مرجع للإستفسار أو للإستقصاء عنه. ويصار إلى تبليغ البيان بأخذ الوزارة بالعلم والخبر إلى المراجع المعنية فيه. كما يحق لوزارة الداخلية والبلديات رفض تسليم البيان إذا كان لا يشمل المعلومات المفروضة قانوناً.

جمعية واحدة لكل 551 لبنانياً!
في لبنان وصل عدد الجمعيات الى أكثرمن 15 ألف جمعية تقدم خدماتها لـ 4  ملايين مواطن لبناني أي ما يقارب  جمعية واحدة لكل 551 لبنانياً! لكن هذه الأرقام لا تنطبق على الواقع. فبعد الأزمة السورية والنزوح السوري إلى لبنان تأسست جمعيات جديدة، وفرَخت أخرى تحت عنوان «مساندة النازحين السوريين». وبدأت عمليات «التسكع» على ابواب المنظمات الدولية والدول المانحة لتصبح المعادلة هي الآتية: هبات ومساعدات بملايين الدولارات تأتي عبر منظمات دولية، تتوزع بطريقة غالباً ما تكون غير مدروسة واستنسابية! واللافت أن بعض «جمعيات المجتمع المدني»، تستخدم إسمها وشعاراتها لغايات سياسية أو إجتماعية، مما يطرح أكثر من علامة استفهام عن جدوى استمراريتها وتحولها إلى جزء من منظومة «الإصلاحات والتغيير والتحديث». وهذا بعض المستور!

مسرة: الجمعيات تحولت إلى «بيزنس»
أستاذ علم الإجتماع البروفسور انطوان مسرة يتحدث عن تجربته في المجتمع المدني على مدى 30 عاماً ويقول ان طفرة الجمعيات صحية لكن المشكلة تكمن في عدم وجود رؤيا وثقافة. فالجمعيات تحولت إلى «بيزنس» لا سيما الاوروبية منها، وبدأت هذه المعادلة تسري على اللبنانية. وأسف مسرة لغياب عنصر القيادة في الجمعيات على غرار ما كانت عليه في العقود السابقة، ويقول: «في الماضي كانت هناك إمرأة تقود الجمعيات في لبنان هي لور مغيزل. وكانت تملك كل مقومات قيادة الجمعيات ولديها الفكرة والثقافة والشجاعة. اليوم يكاد عدد قادة الجمعيات لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة».
اقتباس أفكار من الغرب ومحاولة تطبيقها على مبادىء الجمعيات يعتبر من الأخطاء التي وقع فيها مؤسسو الجمعيات في لبنان «هناك عدد من الجمعيات التي نقلت أفكاراً عن الغرب وعملت على تحويلها إلى مسألة نقد الدولة. في حين تحتاج الأخيرة إلى أناس يعملون على دعمها في مسألتي الشفافية والمساءلة. وهذا ما ساهم في عدم حصول أي تغيير في موضوع الفساد والعلاقة بين المواطن والإدارة». ويضيف مسرة: «المسألة تحتاج إلى علم لمعرفة مكامن المرض .هم يسيرون على الموضة لأن هناك غياباً للرؤيا والقيادة». وفي مسألة جمع الأموال اعتبر ان المسؤول الأول هو الجهات الدولية المانحة. ويعود إلى الوراء ليتذكر كيف كان يتعامل القيمون على المؤسسات الدولية في مسألة التبرعات «لكن الحكماء رحلوا ولم يبق إلا أشخاص من دون خبرة. فنراهم يدعمون مشاريع لجمعيات من دون المساءلة أو التدقيق فيها، أما مسؤولية اللبناني فتتوقف على تصويب العمل. لكن هذا لن يتحقق إذا لم يتوافر العنصران الأساسيان: الثقافة والقيادة. والله يرحم أصحابهما».

اهداف سياسية
لا يخفى على أحد ان بعض الجمعيات تعمل على استزلام الناس وتوزيع الخدمات لأهداف سياسية وهذا ما شرعه قانون الإنتخابات، إذ اعتبر أن الخدمات التي تمنحها الجمعيات طوال الأعوام الثلاثة التي تسبق الإنتخابات مستثناة من النفقات الإنتخابية. وبذلك يكون من أسس جمعيته لأهداف إنتخابية وعمل على «توزيع» خدماته على  الناس تحت شعارات «إجتماعية» قد قدم خدماته من ضمن المصاريف الإنتخابية . إذاً المطلوب تصويب البوصلة. فمن يصحح مسارها؟
من الإشكاليات التي يطرحها العمل المدني، ويتطرق إليها المراقبون والمهتمون به، مسألة النشاط التطوعي. لكن فعل التطوع يحتاج إلى بنية رمزية وواقعية على السواء. فلا يمكن لمطلق اي شاب أن يتطوع في أي نشاط، من دون أن تدفعه الأهداف إلى هذا الخيار. وعندما يجد أنها لا تحاكي واقعه، يعتبر أن لا جدوى من العمل التطوعي. أما البنية الواقعية فهي مجرد لغة قديمة ولا يمكن ترجمتها في ظل الاستقطاب السياسي الحاد في البلاد، والانقسامين الأفقي والعمودي فيه.
رئيسة جمعية «كفى»، والناشطة في مجال الدفاع عن حقوق النساء المعنفات زويا روحانا، اعتبرت ان أية رقابة على عمل الجمعيات ستنعكس سلباً. ولفتت إلى ان المسؤولية تقع على الجهات المانحة لا سيما الدولية منها لأنها لا تراقب عمل الجمعية التي تمنحها الهبات. أما على مستوى الشعارات الرائجة في المدة الأخيرة فهناك الكثير من الجمعيات التي تعمل تحت غطاء إنساني او إجتماعي في حين تكون أهدافها سياسية. «لكن ولا جمعية استطاعت أن تكمل إلا بدعم المجتمع والناس. وعندما يلمس المواطن او المتطوعون في الجمعية نوعاً من الإستغلال يبتعدون عنها تباعاً، لتسقط لاحقاً في غياهب النسيان».
يشير قانون الجمعيات والتعاميم الصادرة إلى نواحي تنظيمية وقانونية تتعلق بجلسات الجمعية العمومية والإنتخابات الدورية للهيئة الإدارية، وتعديل أنظمة الجمعية، وحلها. كما يلزم كل جمعية أن تتقدم من وزارة الداخلية في الشهر الأول من كل سنة، بلائحة تتضمن أسماء أعضائها وبنسخة من موازنتها السنوية وعن حسابها القطعي للسنة الفائتة لكن كيف يمكن مراقبة آداء عشرات الآلاف من الجمعيات المرخصة على مدى الأعوام  والتمييز بين  الجمعيات الناشطة والفاعلة من الجمعيات الوهمية. وفي قراءة لعينة من التراخيص يتبين أنه في العام 2008 وتحديداً بين أيلول (سبتمبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) نشرت الجريدة الرسمية قرارات علم وخبر صادرة عن وزارة الداخلية بتأسيس 100جمعية بالتمام والكمال. أربع منها سياسية وست وتسعون غير سياسية!

 

 


النازحون السوريون حجة جديدة
وفي استعراض للجدول الإحصائي بعدد الجمعيات التي تأسست في الفترة الممتدة بين 18/9/2008 إلى 17/9/2009 يظهر أن العدد الإجمالي وصل إلى  884 جمعية، أي بمعدل ثلاث جمعيات يومياً. أما اليوم فالنسبة تفوق هذه الأرقام مع وجود «الحجة» المتمثلة بمشكلة النازحين السوريين. الأستاذ والباحث في كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الدكتور طوني عطالله رد ظاهرة طفرة الجمعيات في لبنان إلى طبيعة المجتمع المدني «الفاعل جداً» كما سماه، إضافة إلى سهولة الحصول على العلم والخبر من وزارة الداخلية .هذا في ما خص التأسيس. لكن ماذا عن مضمون عملها؟
يميز الدكتور عطالله بين الجمعيات الفاعلة والأقل فاعلية والنشاطية أي التي تقوم بنشاط ليس له هدف استراتيجي لكنه يبرر طريقة صرفها للمال. في المقابل يركز على الجمعيات التي تعمل وفق خطة التنمية المستدامة من خلال تغيير سلوك ما في المجتمع وتمكين فئة من الناس من العيش بطريقة أفضل. وبين هذه وتلك هناك الجمعيات التي تنتشر تحت ستار تقني، لا سيما منها السياسية. أما الجمعيات التي تعنى بالقضايا الإجتماعية فاللافت أن غالبيتها تتجاهل خصوصيات المجتمع المدني «انا اتحفظ على بعض الشعارات لأنه لا يمكن أن أسير في أمور دقيقة وحساسة بناء على ما اقتبسته من الخارج. علينا ان نراعي الوضع في لبنان، بمعنى آخر يجب أن يكون هناك جلسات نقاش ومصارحة للوصول إلى نتائج من شأنها ان تخفف الهواجس».

تجاوزت الخط الاحمر
الإشكالية التي خلقتها بعض الجمعيات تتمثل في تخطيها الخطوط الحمراء، ويقول عطالله: «على الجمعيات أن تدرك حدود دورها فلا تتعدى على اختصاصات الدولة أو تسعى إلى أن تحل مكانها. وهذا الكلام لا يشمل حتماً كل الجمعيات. لكن حتى هذا البعض يؤثر سلباً في مفهوم عمل الجمعيات. وارتأى أن يكون هناك تكامل مع الدولة فتسعى إلى تشجيعها ونشر ما يسمى بالثقافة الضريبية للإفادة من وفرة الضرائب واستخدامها في التنمية. وطرح حلولاً لتفعيل عملية المراقبة على الجمعيات وتصويب اي انحراف او اعوجاج فيها وذلك عبر إنشاءأجهزة إدارية سواء في المحافظات، إنطلاقاً من الصلاحيات القانونية المعطاة للمحافظ، إلا أن وزارة الداخلية لا تعترف به.
ويتمثل الحل الثاني في استحداث هيئة مختلطة تضم ممثلين عن الإدارة العامة والجمعيات ولها صلاحية المراقبة بحيث تلتقي في مجلس خاص. وإذا لاحظت الهيئة وجود اي انحراف في عمل إحدى الجمعيات يصار إلى التحقيق والتدقيق والإحالة إلى القضاء عند اللزوم. كما طالب بإنشاء سجل خاص بالجمعيات على غرار السجل التجاري على أن يتمتع باستقلالية تامة، ويعمل تحت إشراف قضائي. وبذلك يصبح ممكناً إخراج الجمعيات من دائرة وزارة الداخلية التي تنحصر مهامها بالأمن وإلحاقها بوزارة العدل لتعزيز دورها.
تبقى مسألة التمويل وفي هذه النقطة يلتقي عطالله مع رئيسة جمعية «كفى» في اعتبار الجهات الممولة هي المسؤولة المباشرة «إذ يفترض أن تراقب وتسائل عن المشروع الذي مولته بطلب من الجمعية، وعلى الأخيرة ان تقدم تقريراً للجمعية او للجهة الدولية المانحة عن كيفية صرف المبلغ بشكل دقيق ومفصل. لكن هناك ايضاً جمعيات تصرف اموالاً على التنمية المستدامة وهذا ما يجب أن ننظر إليه».
يخطىء من يفترض ان منظمات المجتمع المدني تأسست في الأعوام الاخيرة بتأثير من المانحين والمنظمات الدولية. فالنقابات والجمعيات والهيئات المهنية وغيرها من الاشكال الاجتماعية موجودة في لبنان منذ عقود، أما المنظمات المدنية فتعتمد على مقاربات تنموية.
واذا عدنا الى قيود الجريدة الرسمية للجميعات التي تم تأسيسها في لبنان منذ العام  1860 وحتى العام 2012 نجد ان نسبة الجمعيات التقليدية تخطت نسبة الـ 62 في المئة مقارنة مع الجمعيات المدنية. من هنا يشدد الإختصاصيون على ضرورة التمييز بين مصطلحي المجتمع المدني الذي اعتبر المحرك الأساسي للثورات في مصر وتونس، ومنظمات المجتمع المدني.
تبقى لعبة الشعارات. واللافت أنها الأكثر جاذبية حتى بعد سقوط الجمعية في غياهب النسيان. إذاً ليست الشطارة في تأسيس جمعية في لبنان إنما في كيفية ضمان استمراريتها ووضعها على مسار الرؤيا والثقافة والتغيير الذي يرتكز على العلم وليس فقط على الشعارات!
قلتم جمعية مدنية؟ لم لا؟ جربوها.

جومانا نصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق