اكراد سوريا والعراق وتركيا: ما هو المصير؟

الاكراد اين هم، وما هو وضعهم في كل من العراق وسوريا وتركيا؟ واستطراداً ما هو مصيرهم، وماذا يمكن ان يحصل لهم خلال المرحلة المقبلة؟ السؤال يطرح بالحاح لاعتبارين اثنين: الاول لان المكون الكردي يتكرر بشكل شبه يومي في الاحداث الدراماتيكية المتتالية التي تشهدها البلدان الثلاثة التي تعيش عملياً تحولات عميقة على كل المستويات. الثاني: لان للمكون الكردي في هذه البلدان الثلاثة حضوراً ديموغرافياً تاريخياً وتأثيراً متعدد الاوجه قد لا يكون حاسماً لكنه تأثير وازن وفاعل.
لا شك في ان المسألة الكردية في كل من العراق وتركيا هي قديمة نسبياً وتعود الى مطلع القرن الماضي، عندما بدأت هاتان الدولتان بالتبلور والتكون، حيث اطاحت الحسابات والمصالح الدولية الكبرى التي تصارعت آنذاك وعلى مدى اكثر من 4 عقود كل الاحلام والآمال التي راودت الاكراد في الحصول اما على دولة او كيان مستقل، خصوصاً في شمال العراق (كردستان) حيث هم يعيشون على مساحة جغرافية واسعة، لا يشاركهم فيها غيرهم من الاعراق والقوميات الاخرى، او بالحصول على حقوق خاصة بهم، تعترف بوضعهم في تركيا حيث هم يتحدثون عن تواجد وازن في مناطق تركية معينة، يكادون يكونون فيها قومية صافية مثل ديار بكر، فضلاً عن انتشار معتبر في مدن ومناطق اخرى.
اما مسألتهم وقضيتهم على الساحة السورية فهي مستجدة نوعاً ما وبالتحديد تعود الى بعيد اندلاع الاحداث الملتهبة في هذه الساحة منذ عامين وثلاثة اشهر، حيث بدأوا يعيشون تحت وطأة احداث ومخاطر جسيمة واستطراداً تحت وطأة احلام ورهانات مستجدة احيت فيهم آمالاً عريضة كانت طوال عقود مكبوتة تحت ضغط النظام الذي لم يكن في وارد رؤية وطن منفتح متعدد العرقيات والاقوام والحريات.
فرصة سانحة
وهكذا، ومنذ عام 1991 وبالتحديد بعد الضربة الكبرى التي تلقاها نظام صدام حسين في العام 2003، اثر اجتياحه العسكري للكويت قبل عام من ذلك، احس اكراد العراق ان الساعة ساعتهم وانهم لن يفوتوا هذه الفرصة، فكان انحيازهم للتحالف الذي وفر ظروف طرد صدام وجيشه من الكويت، مما امن لهم حكماً ذاتياً طالما حلموا به، مقروناً بمنطقة حظر جوي اميركي فوق كردستان العراق.
منذ ذلك التاريخ، بدأ اكراد العراق يشعرون بأنهم خرجوا فعلاً من تحت هيمنة النظام العراقي الذي حاربهم وحاربوه بضراوة منذ نهاية عقد الخمسينيات وحتى اوائل العقد التاسع من القرن الماضي، حتى ان ثمة قصصاً اسطورية تنسج حول «الاستبسال» الكردي في مواجهة حكام العراق في كل العهود التي تلت الثورة على النظام الملكي على يد عبد الكريم قاسم في العام 1958.
ويبرز في هذا الاطار، اسم القائد الرمز في التاريخ الكردي المعاصر الملا مصطفى البرزاني، ويبرز ايضاً كيف كان طموح الاكراد وجموحهم نحو الحصول على حكم ذاتي في مناطقهم او نحو نظام يعترف بحقوقهم القومية، دفعهم ليصيروا «مادة» جاهزة لتستغل في الصراعات الدائرة في المنطقة، وبالتحديد بين العراق وجيرانه: فهم حلفاء الشاه الايراني السابق يتلقون دعمه العسكري والمادي عندما كان الشاه في حالة صراع ومواجهة مع نظام صدام حسين، اما عندما تتم الصفقة الشهيرة بين طهران الشاه وبغداد صدام، فيصير الاكراد على اثر ذلك، لقمة سائغة امام الجيش العراقي الذي يطارد «البشمركة» وهي القوة الميليشياوية التي كانوا انشأوها كذراع للحزب الديموقراطي الكردستاني الذي اسسه البرزاني وتزعمه ثم ورث نجله مسعود هذه الزعامة حتى يومنا هذا.
ولم ينس الاكراد هذه الضربة حتى وجدوا فرصة اخرى، عندما تحالفوا مع النظام الاسلامي الايراني ابان حربه الطويلة مع العراق، فكان الرد في مجزرة حلبجة الشهيرة التي ذهب ضحيتها اكثر من عشرة آلاف كردي بالغازات السامة التي القيت على احدى البلدات التابعة لاقليم كردستان العراق.
حكم ذاتي
وفي كل الاحوال، بعد عام 1991 عاشت كردستان العراق نوعاً من الحكم الذاتي ونوعاً من الاستقرار لم تعكره سوى صراعات الحزبين الكرديين الاساسيين اي الديموقراطي بزعامة البرزاني والاتحاد الديموقراطي الكردستاني بزعامة جلال الطالباني الذي صار لاحقاً وما زال رئيساً للجمهورية العراقية.
وهذا الحكم الذاتي تكرس وتعزز استقلالاً تاماً بعد الاجتياح الاميركي للعراق في ربيع عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين وقيام تركيبة سياسية تسلمت الحكم في بغداد، حتى ان كردستان العراق تشهد منذ ذلك العام، تطوراً واستقراراً كبيرين. لكن ذلك لم يمنع من نشوء مشكلة من نوع اخر وهي مشكلة مستقبل العلاقة بين اقليم كردستان وبغداد كعاصمة للحكم الاتحادي وهذه لها وجهان:
الاول: يتصل باستغلال الاكراد اية تطورات او احداث لكي يعززوا انفصالهم عن بغداد ويؤسسوا لحكمهم الانفصالي.
الثاني: ان ثمة نزاعات وخلافات بين اربيل (عاصمة الاقليم) وبغداد حول مسائل عالقة مثل النفط، والمناطق المتنازع عليها اضافة الى مسائل اقل اهمية.
ويبدو ان الزيارة الاخيرة النادرة لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الى اربيل كرست امرين، الاول: وقوف البرزاني والاكراد الى جانب المالكي في صراعات سياسية. والثاني: الاتفاق على ادارة الخلافات بينهما ما دام ان حل الملفات الخلافية متعذر في الوقت الحاضر.
المالكي كسب من هذا كله حياد الطرف الكردي واخراجه من دائرة معارضيه والاكراد كسبوا المزيد من الخطوات الايلة الى تعزيز استقلالهم مع مرور الوقت.
الاكراد في تركيا
اما بالنسبة الى تركيا، فالموضوع الكردي له وجوه اخرى، حيث ان حزب العمال الكردستاني يخوض حرب عصابات ضارية مع الاتراك منذ نحو اربعة عقود، ويبدو ان رغبة الحكم الحالي في تركيا بزعامة اردوغان في تحييد العامل الكردي عما يحصل في سوريا، وافقاد النظام السوري سنداً من الاكراد السوريين المرتبطين بحزب العمال الكردستاني قد دفعه الى نسج تفاهم اولي مع الحزب العمالي يقضي في احد بنوده بانسحاب مقاتلي هذا الحزب الى شمال العراق، في مقابل ان تعطي انقرة للاكراد لاحقاً حقوقاً يطالبون بها ومنها الاعتراف بهم كقومية متميزة في داخل تركيا.
لكن هذا الاتفاق ومصيره بقيا مبهمين، اذ ان المعلومات المتوافرة اشارت الى انسحابات لمجموعات من حزب العمال من تركيا، ولكنها لم تؤكد ان المواجهات انتهت والاتفاق صار ناجزاً، اذ يبدو ان الاتفاق مع زعيم الحزب عبدالله اوجلان الموجود في سجون انقرة شيء والاتفاق مع القائد العسكري للجناح المقاتل الموجود في جبال القنديل شيء اخر، فهو ما برح ينسج علاقات وتفاهمات مع طهران، الامر الذي يحول دون اعتبار الاتفاق بين انقرة واوجلان مكتملاً او ناجزاً، فهو ما زال اتفاقاً معلقاً.
اما عن الاكراد في الساحة السورية، فذلك شأن اخر. فقبل الاحداث الاخيرة في سوريا لم تكن العلاقة ودية بين النظام السوري والمكون الكردي في سوريا، فمن اصل نحو مليوني كردي يقطنون في سوريا (حسب احصاءات غير رسمية)، ثمة نصفهم على الاقل لم يحصلوا على الجنسية السورية رغم وجودهم منذ عشرات السنين في مناطق سورية، فضلاً عن حصول مشاكل عدة بين الجانبين عبرت عن نفسها بنزول مجموعات كردية الى الشارع في عام 2005 وقبلها في حركة احتجاج نادرة.
… وفي سوريا
وبعد اندلاع الاحداث في الساحة السورية، مد نظام دمشق يده الى المكون الكردي في سوريا الذي كان في اغلبه يعتنق افكار التطرف الكردي المتمثل بحزب العمال الكردستاني لا سيما ان هناك حزباً كردياً يسمى الحزب الشعبي الكردي يعد امتداداً لحزب العمال الكردستاني.
وفي كل الاحوال، بدا المكون الكردي في سوريا حليفاً للنظام السوري واحتياطاً له، وقد رد له النظام التحية بأحسن منها اذ سمح له ببسط هيمنته على الحزب الشعبي وعلى قسم كبير من محافظة الحسكة وعاصمتها القامشلي حيث للاكراد ثقل ديموغرافي وازن.
وهكذا تولت طوال اكثر من عام المجموعات الكردية المسلحة في هذه المحافظة وفي مناطق اخرى، ولا سيما في حلب (حي الشيخ مقصود) على الحدود التركية – السورية حماية هذا التواجد الكردي، واخذت على عاتقها مواجهة مجموعات المعارضة السورية المسلحة التي ترغب بالتمركز في التجمعات السكانية ذات الاغلبية الكردية او المرور عبرها الى مناطق اخرى.
وهذا الواقع، ادى الى مواجهات عسكرية عدة بين الطرفين ذهب ضحيتها مئات الاكراد.
واكثر من ذلك، عاش المكون الكردي في سوريا حالة ارباك وتذبذب اذ ترد معلومات احياناً بأن ثمة مجموعات كردية، اعلنت ولاءها للثوار في بعض المناطق، وفي احيان اخرى ترد معلومات معاكسة تماماً.
وهذا التذبذب ظهر اكثر ما يكون في اعقاب اتفاق الهدنة بين اوجلان والسلطات التركية وخروج المسلحين الاكراد من المناطق التي كانوا يقاتلون فيها في الاراضي التركية، وانطلاقاً من مقولة ان الثمن العاجل الذي اراده نظام حكم اردوغان من وراء اتفاقه مع اكراد حزب العمال واعتراضه بعدد من المطالب التي كان يرفضها في السابق هو، ان ينقل اكراد سوريا البندقية من الكتف الموالية لنظام بشار الاسد الى الكتف الاخرى.
وليس هذا الامر بالهين على اكراد سوريا، فجزء منهم ارتبطت مصالحه بالنظام السوري الذي وعدهم بمكاسب عدة اذا ما بقوا على ارتباطهم به.
ومهما يكن من امر، فأكراد سوريا كما كل مكونات الشعب السوري يعيشون مرحلة من الارباك والرهانات المتنقلة نتيجة الغموض الذي يكتنف الاوضاع في بلادهم.
ا. ب