
ايام قليلة، ويتوجه الناخبون في ايران الى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس جديد للبلاد، خلفاً للرئيس الذي توشك ولايته على الانتهاء، محمود احمدي نجاد. ولا ريب في ان العالم كله يرصد بدقة هذه الانتخابات ومآلها والشخصية الجديدة التي ستتولى سدة الرئاسة الاولى في طهران.
هذا الاهتمام الدولي عائد الى اعتبارين اساسيين.
الاول: مكانة الجمهورية الاسلامية الايرانية في معادلات الشرق الاوسط الكبرى المعقدة، ولا سيما ان هذه الجمهورية صارت قطب الرحى لدائرة حراك استراتيجي منذ ان عاد اليها الامام الخميني من منفاه في العام 1979، لينشىء اول دولة اسلامية راديكالية التوجه، شيعية الهوية في المنطقة، ولتبدأ معها صفحة جديدة في تاريخ هذه البلاد، واستطراداً في تاريخ المنطقة عموماً، ولا سيما بعدما افصحت القيادة الاسلامية التي خلفت النظام الشاهنشاهي، عن طموحات جامحة ورغبات في تصدير الافكار الاسلامية الثورية، او على الاقل في حجز مكانة مرموقة ووازنة لها في جغرافية السياسة والتاريخ في الشرق الاوسط مكان الازمات الدائم والصراعات المديدة التي لا تنتهي.
الثاني: ان الانتخابات الرئاسية في ايران صارت منذ اخر انتخابات مماثلة قبل نحو 5 اعوام معقد رهان على امكان حدوث تحولات وانتفاضات في هذه البلاد ذات الثمانين مليوناً والتي تقارب مساحتها مليون ونحو 70 الف كيلومتر مربع (اي ثلاثة اضعاف مساحة فرنسا) والتي لها تاريخ ضارب في العراقة السياسية، اذ انها تأسست وفق وثائق منذ نحو اربعة آلاف عام اي انها اقدم كيان سياسي من النمط الامبراطوري ما زال قائماً الى ايامنا هذه، وفق ما يقول المؤرخ والكاتب السياسي برنارد اوركاد في كتاب بعنوان: «جغرافية ايران السياسية» صدر اخيراً بترجمته العربية في بيروت. وان هذه التحولات والحراك السياسي المفترض يمكن ان تترك تأثيراتها على هوية هذا البلد وعلى طموحاته وتوجهاته وعلاقاته.
«الثورة الخضراء»
واساس هذه الفرضية مبني بطبيعة الحال على الانتخابات الرئاسية الاخيرة التي جرت والتي انتهت الى ما صار يعرف بـ «الثورة الخضراء»، حيث قام انصار المرشح الاخر المنافس لنجاد مير حسين الموسوي بانتفاضة عارمة استمرت اسابيع وادت الى انقسام حاد في المجتمع السياسي والشعبي الايراني، وهي انتفاضة لم تهدأ، كما هو معلوم الا بعد ان استخدمت السلطات الايرانية درجة عالية من القمع وواجهت بشراسة عشرات آلاف الايرانيين الذين نزلوا الى الساحات والميادين والشوارع احتجاجاً على ما اعتبروه تزويراً لارادتهم وتزييفاً لاصواتهم، افضى الى انجاح مرشح (نجاد) واسقاط اخر (موسوي) كانوا على ثقة من انه فائز ولا ريب.
وطبعاً، انزل يومذاك مرشد الثورة الاسلامية الايرانية علي خامنئي بكل ثقله المادي والمعنوي الى الميدان ليفصح عن تأييده للنتائج التي اذيعت واظهرت فوز نجاد في ولاية رئاسية ثانية، وساهم بعدها في تغطية كل الضغوط التي مورست على المعارضين والمحتجين ورموزهم ومن بينهم ايضاً، اضافة الى مير موسوي الرئيس الايراني الاسبق محمد خاتمي والمعارض المزمن مهدي كروبي.
في ذلك الحين، قال المقربون من النظام ان السواد الاعظم من المحتجين والمعارضين كان مقتنعاً ضمناً بفوز نجاد لكنه كان يعبر عن خيبة امل اولاً ثم عن رغبة دفينة بالتغيير العارم ثانياً، ويحتج ثالثاً على قوانين وانظمة انتخابية فرضت وادت الى رسوب مرشح المعارضة الاصلاحية التي تريد ازاحة المحافظين من واجهة الحكم.
ومهما يكن من امر، فإن مراقبي الشأن الايراني وبعد ايام معدودة من موعد فتح صناديق الاقتراع امام الناخبين، يتوقعون سلفاً امراً متصلاً بهذه الانتخابات ويطرحون تساؤلات عدة حول امر اخر.
لا مفاجآت
الامر المتوقع، هو ان تخلو هذه الانتخابات المنتظرة من اي مفاجآت ولا ينتظرون ان تسفر عن اية تحولات، رغم ان المرشد العام للثورة ركز كثيراً على مسألة ان هذه الانتخابات تحظى باهتمام عالمي واسع وحذر من هجمات معادية تحاول جاهدة الدخول على خطها، وبالتالي النفاذ عبرها للتأثير على الاستقرار في ايران، وادخال هذه البلاد في حالة من التخبط والفوضى.
ويعزو المراقبون السبب الى ان القيادة الايرانية الحالية تعلمت الدرس جيداً مما آلت اليه الاوضاع في الشارع بعيد وقت قصير على ظهور نتائج الفرز في صناديق الاقتراع، فبذلت كل ما في وسعها من جهد للحؤول دون تكرار ما حصل، واستطراداً للحيلولة دون عودة الناس الى الشارع في حراك سياسي متجدد، وكان ذلك من خلال امرين جوهريين.
الاول: احكام حلقات الحصار طوال الاعوام الخمسة الماضية على رموز المعارضة الاصلاحية الذين يمكن ان يشكل حضورهم او ظهورهم اي اثارة للرأي العام المعارض او المحجوب على دائرة الاصلاح في البلاد، فهؤلاء وفي مقدمهم موسوي وخاتمي ظلوا بعيدين عن الاضواء والانظار طوال الفترة الماضية، فلم يسمح لهم بالظهور او العمل الجماهيري او السياسي او الحزبي، فنسيهم الناس لا سيما بعدما ادخل العديد من انصارهم الى السجون وحيل بينهم وبين التحرك والتعبير، لدرجة انه لم يعد لدى رموز الاصلاحيين رغبة حتى في الترشح للرئاسة هذه المرة.
وعليه، خلت الساحة وميدان المنافسة الرئاسية امام رموز التيار المحافظ المحسوب على المرشد دون سواهم، فلقد تم تصميم هذه الانتخابات ليتم اجراؤها بين المرشحين المحافظين ولتفادي اثارة الشكوك حولها.
المرشحون
اما الامر الثاني، فهو صحيح ان هناك ثمانية مرشحين ولكن اربعة منهم هم فقط مرشحون جديون، واما الاخرون فلقد جيء بهم لملء الفراغ. وهؤلاء الاربعة هم: وزير الخارجية الاسبق والمستشار الحالي للمرشد الاعلى الدكتور علي اكبر ولايتي، ومحمد باقر فاليباف احد قياديي الحرس الثوري الايراني احدى ابرز المؤسسات التي يرتكز عليها النظام الاسلامي وتشكل عموده الفقري وسنده الاساسي.
اما المرشح الثالث فهو سعيد جليلي، شخصية معروفة تردد اسمها كثيراً في قاموس السياسة في ايران من خلال ترؤسه المفاوضات حول ملف ايران النووي مع الدول الغربية الاعضاء (الخمسة زائد واحد) على مدى اكثر من عامين، فضلاً عن ان الرجل هو احد الذين شاركوا في الحرب الايرانية – العراقية التي امتدت اكثر من ثمانية اعوام.
اما المرشح الرابع فهو علي حداد عادل الرئيس السابق لمجلس الشورى في ايران.
وعليه، فإن ركائز النظام الاسلامي الايراني اي المرشد والحرس الثوري اعدوا العدة لتكون الانتخابات الرئاسية الايرانية المقبلة، وهي الانتخابات الحادية عشرة التي تجري منذ تأسيس الجمهورية الاسلامية، انتخابات سلسة وهادئة والا تشهد اية مفاجآت كما جرى في السابق، وان يستمر حكم التيار المحافظ من دون اي منافسين جديين لا الان ولا في المستقبل المنظور.
لماذا ابعاد رفسنجاني؟
اما الامر الاخر الذي يستدعي التساؤلات لدى الشارع الايراني نفسه ولدى المهتمين بمآل الاوضاع في الجمهورية الاسلامية الايرانية فهو: لماذا ابطل مجلس صيانة الدستور ترشيح احد الرموز التاريخيين للثورة الاسلامية في ايران وهو هاشمي رفسنجاني؟
لا شك في ان حماسة المجتمع الايراني كانت كبيرة عندما شاهدت رفسنجاني يتوجه الى مركز استقبال طلبات الترشح للرئاسة الاولى، فهذا الحدث كان بالنسبة الى البعض المفاجأة غير المحسوبة، وذلك انطلاقاً من حسابات عدة ابرزها:
ان الرجل موجود في صدارة الحكم في طهران وفي واجهة العمل السياسي منذ ان نزل مؤسس الجمهورية الاسلامية الخميني من على سلم الطائرة التي اقلته من منفاه في باريس، فهو رفيق الخميني الدائم، وقائد الحرب الايرانية – العراقية ثم رئيس مجلس الشورى الايراني فرئيساً للدولة لولايتين متتاليتين ثم ومن اجله اوجد المرشد مؤسسة حكم جديدة هي مجمع تشخيص مصلحة النظام.
كان رفسنجاني طوال اكثر من ثلاثة عقود، الثابت في عالم سياسة سريع التحول في طهران، اذ ان كثيرين من رفاق الخميني اما اقصوا او اهملوا، في حين ظل هو رجل كل العهود ورمز كل المراحل التي مرت بها الجمهورية الاسلامية الفتية في عمرها المحفوف بالمخاطر والمواجهات والتطورات الدراماتيكية.
واللافت انه بقي صامداً في صدارة المشهد السياسي الايراني رغم انه اشير اليه بأصابع الاتهام على اساس انه محاط ببطانة فاسدة وان بعض اولاده من هؤلاء الفاسدين، واتهم ايضاً بأنه يحتكر تجارات معينة وبأنه غاية في الثراء.
التباس في المواقف
اما على المستوى السياسي، فالرجل لم يظل ثابتاً فهو مرة محسوب على اساس انه من رموز المحافظين، ومن حراس النظام واعمدته الاساسية، ومرة اخرى ينظر اليه على اساس انه مع السائرين في ركاب الاصلاحيين.
ولعل الالتباس الاكبر كان حول موقفه من «الثورة الخضراء» التي عاشت ايران من اقصاها الى اقصاها تحت وطأتها لاسابيع عدة، بعد ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية الاخيرة.
فالمراقبون والمهتمون سألوا كثيراً عن حقيقة موقفه من الحدث الذي اشعل ايران وغطى دخانه العاصمة، وسألوا تحديداً في اي معسكر هو خصوصاً وانه اصدر تصريحات واطلق مواقف عدة حمالة اوجه او بمعنى اخر توحي بأنه صار اصلاحياً ويسارياً في حين ان احدى بناته كانت تؤخذ الى المعتقل تحت ذريعة انها تثير الشغب وتحض على العنف؟
واللافت في ترشح رفسنجاني الاخير، ان الابنة الوحيدة المتبقية لمؤسس الجمهورية الاسلامية الخميني وهي زهراء الخميني مصطفوي بعثت برسالة الى المرشد خامنئي تطلب فيها منه اعادة النظر في قرار اقصاء هاشمي والسماح له بالترشح. واللافت ان خامنئي لم يأخذ بالرسالة ولم يجب عليها لا سلباً ولا ايجاباً.
والمثير في الامر كله، ان رفسنجاني لم يجعل من مسألة منعه من الترشح قضية، ويثير الموضوع سياسياً او اعلامياً وبالتالي لم يستحث انصاره او شارعه بل نزل عند مشيئة المرشد رغم ان معلومات سرت مفادها ان خامنئي هو من شجع رفسنجاني على الترشح، فأثبت بذلك انه الابن البار لمؤسسة الحكم في الجمهورية الاسلامية في طهران.
ا. ب