رئيسيسياسة عربية

حرب النيل… اي مصير لبقاء مصر؟

الاحتفال، البسيط، بانطلاق ورشة اشغال في اثيوبيا في حضور نائب رئيس الحكومة وبضعة مهندسين واضعين على رؤوسهم خوذات من البلاستيك الاصفر، تحول الى العنوان الثالث، في تراتبيات الاهميات عبر نشرات الاخبار التلفزيونية المسائية، وأعاد الى واجهة المسرح، الحرب الابدية من اجل المياه، والصراع على مياه النيل، وربما ان هذه المسألة تقلق المصريين اكثر من احداث سيناء، ومن اللا-استقرار السياسي الذي تتخبط فيه.

حكومة اديس ابابا، باشرت بناء السد – الذي طالما هددت به – والذي سيحول مجرى النيل الازرق، المشروع الذي كانت اثيوبيا بدأت بتنفيذه، منذ امد تبلغ كلفته خمسة مليارات دولار. ويشكل المشروع المائي – الكهربائي، الاضخم، في افريقيا، على شكل سلسلة من الحواجز المائية، من المفروض ان يؤمّن لاثيوبيا، مصنعاً يعطيها 6000 ميغاوات من الطاقة الكهربائية ويحولها الى اكبر قوة في مجال الطاقة في افريقيا. وشرح نائب رئيس حكومة اثيوبيا ديميكه ميكونين قائلاً: «سيؤمن لنا المشروع ما يعادل ستة معامل نووية».
وتخشى القاهرة، ان يدفع ثمن هذا الانجاز تسعون مليون مصري، يؤمن نهر النيل معيشتهم، وهم مهددون، حسب تقرير للامم المتحدة، بالغرق، ضحية ازمة مائية، نادرة السوابق، في تاريخ اطول نهر في العالم.
المشروع الذي قد يتحول الى كارثة، على مصر وشعبها، يموله الصينيون الذين يستثمرون منذ سنوات، مليارات الدولارات في منطقة القرن الافريقي، وينفذه الاثيوبيون، الذين حصلوا على مساعدات حتى من البنك الدولي، ويتحمل الذيول، المصريون، الذين يعطيهم النيل الازرق الماء اللازم لزراعتهم. فالنيل الازرق، احد اكبر روافد النهر الاسطوري، يولد في اثيوبيا ويعبر 1400 كلم من اراضيها، بينما يعبر الرافد الاضخم الاخر، وهو النيل الابيض اراضي السودان.

المشروع العملاق
والمشروع الضخم سيسميه الاثيوبيون «سد النهضة الكبير» ولكنه سيطرح اعادة مناقشة، الاتفاقية التي وقعوها في سنة 1959، مع البريطانيين، والتي اعطت المصريين 55 في المئة، والسودانيين 22 في المئة، من مياه النيل، وتركت حفنات من نقاط النهر، الى الدول الاخرى المعنية، واسمها بوروندي، ورواندا وتنزانيا ويوغندا والكونغو وكينيا.
اديس ابابا، تعترض منذ سنوات على تلك المعاهدة، كما على المعاهدة التي كانت تفرض منذ بداية القرن العشرين، على اباطرة الحبشة، الاتفاق مع الذين يستعمرونهم، على كل سد يقيمونه او تحوير يجرونه، على مجرى النهر، وبقيت كلاماً على ورق، اتفاقية عنتابه، التي اقترحت في سنة 2010، على الدول العشر المعنية، اعادة النظر في توزيع مياه النيل، على اساس عدد السكان والاوضاع الطقسية والاحتياجات الاقتصادية.
اكثر من ذلك، ان الاجتماع الاخير، الذي عقده الحبشيون والمصريون والسودانيون، انتهى بتبادل الشتائم، لان اثيوبيا تشدد على ان مياه نهر النيل تعبر 84 في المئة من اراضيها، بينما لا تستثمر هي ولا تستغل اكثر من واحد في المئة، بقليل من هذه المياه. واعلن محمد بهاء الدين، وزير المصادر المائية، في بلاد تعيش في شح دائم، منذ قرون، وحروب داخلية في منطقة اوغادن، وتوترات مع الصومال واريتريا، «ان انماء بلادنا، مجمّد، بسبب عجزنا عن استثمار ثروتنا الكبرى»، ويردف: «ان 12 مليار دولار، جاهزة اليوم لاستثمارها وتجعلنا نعلن ان غايتنا هي افادة كل دول المنطقة، خلال عقد من الزمن، وليس على مصر ان تخاف اي شيء».
ولكن هذا الكلام، لم يكن كافياً لطمأنة حكومة الاخوان المسلمين، حلفاء ابناء العم الاسلاميين في السودان، في مواجهة الهجوم الجديد، الذي تشنه اثيوبيا.

لقاء ثلاثي
ولكن الرئيس المصري محمد مرسي، ظهر على التلفزيون «يصب الماء (بما اننا في صدد الماء) على النار، على امل ان يساعد لقاء يعقد قريباً مع الحبشيين والسودانيين على تهدئة الخواطر. ولكنه حمل على اديس ابابا، التي تتهم القاهرة بالسعي، من وراء الستار الى زعزعة استقرار اثيوبيا، خصوصاً عبر مساعدة الميليشيات الاسلامية في الصومال.
والحقيقة هي ان المصريين يعيشون حرب النيل هذه، وكأنها تشكل تحدياً لامنهم القومي. فذكّرت الصحف ومحطات التلفزيون، الشعب، بان اراضيهم لا تُروى، وزراعتهم تصاب باضرار لا تعوض، من دون مياه «الاب الكبير»، فأبناء القاهرة لا يصلهم اكثر من نصف المعدل العالمي، بينما يتطلب معدل ارتفاع عدد المصريين، زيادة نسبة حاجة المصريين الى الماء في معدل الخمس على الاقل.
وقد لا تكون مجرد صدفة، ان تنطلق اعمال بناء السد الحبشي، في وقت تواجه حكومة محمد مرسي، صعوبات اقتصادية وضعفاً سياسياً.
المؤرخ هيرودوتوس، الذي ورد ذكره كثيراً في وسائل الاعلام المصرية، في هذه الايام، قال ان مصر هي عطاء من النيل. فرد الاثيوبيون، «ولا تنسوا ان احدى الملكات»، من عندنا، رزيديس، هي التي اسست بلادكم».
انه الكثير من الكلام البديع حتى الآن، على امل الا تسخن المياه.
كلام كثير قيل حول امكانية انهاء اتفاقية كامب ديفيد بين مصر واسرائيل، بعد وصول الاخوان الى الحكم في القاهرة، ولكن التهديد الاكبر، حتى الآن، لازدهار مصر، وحتى لبقائها، لا يأتي من حدودها الشمالية، وانما من الجنوب، وضبطاً من اثيوبيا. ولا تجسد هذا الخطر، جيوش جرارة، في عديدها وتسليحها. وانما بناء اضخم السدود المائية على ارض افريقيا.
فالخطر الاكبر على مصر، هو حرمانها من مياه النيل.
الرئيس انور السادات. كان حذر في سنة 1979، بعد توقيع اتفاقية السلام مع اسرائيل: «ان الشيء الوحيد الذي يمكن ان يقود مصر الى الحرب، بعد الآن، هو الماء؟». لان مصر مهد اقدم المدنيات في التاريخ، ستتحول الى صحراء جافة، من دون مياه النيل، عاجزة عن اطعام ابنائها الخمسة والثمانين مليوناً.

خلافات 11 دولة
فتوزيع مياه النيل، تسبب، منذ سنين عديدة، بخلافات بين 11 دولة، يرويها النهر الاسطوري. ففي سنة 1929، وفي عهد السيطرة الاستعمارية، على تلك المنطقة، جرى توقيع معاهدة دولية لتوزيع ثروة النيل المائية، بقيت قائمة حتى ايامنا هذه. وحافظت تعديلات طفيفة ادخلت على الاتفاقية، في سنة 1959، على الموقع المفضل لمصر: اكثر من 50 الف مليار متر مكعب، من اصل 84 الفاً، وحق الفيتو لمنع بناء اي سد على حدوده، بحيث ان مصر والسودان، تسيطران على 90 في المئة من مياه النيل، بينما تطالب سائر الدول التي لم يبق لها الا عشرة في المئة، باعادة النظر باتفاقية تعتبرها ظالمة.
وترد القاهرة بان الاساس الذي يجب اخذه في الاعتبار، هو حاجة الدول التي يرويها النيل، وليس عدد الكيلومترات التي يعبرها، بينما تقول وكالة الأمم المتحدة للانماء ان اثيوبيا تعتمد على 123 الف مليون متر مكعب، من الانهر ومياه الطمي والمياه الغارقة تحت سطح الارض، مقابل 91 ملياراً لتانزانيا و60 ملياراً لمصر مما جعل الخبير في الشؤون المائية في جامعة القاهرة، نادر نور الدين يقول: «ان هذه الارقام تدل على ان اثيوبيا تعتمد على ضعف المياه التي في مصر، وعلى ان مصر هي الدولة الافقر في المصادر المائية، نسبة الى مساحتها وعدد سكانها». ويردف نور الدين: وتدل هذه الارقام، على ان مصر المحرومة من مياه الطمي، على كل مساحة اراضيها، تحصل عملياً، من النيل على 95 في المئة من المياه التي تستهلكها.
وفي 14 ايار (مايو) 2010، وقّعت اربع دول غير عربية هي: اوغاندا، اثيوبيا، رواندا وتانزانيا، على اتفاقية عنتابه، التي عدلت، في مصلحتها توزيع مياه نهر النيل، فاثارت المبادرة حفيظة مصر والسودان، اللتين رفضتا الانضمام الى الاتفاقية، وارتفعت وتيرة التوتر، بعد سنة، عندما اعلنت اثيوبيا توسيع احجام سد النهضة، الذي لا يزال في مرحلة الانطلاق، ويهدف الى توسيع مساحات اراضيها الزراعية في نسبة كبيرة، ومضاعفة امكانياتها الكهربائية والمائية.

اللجوء الى القوة
واشارت وثيقة وزعتها ويكيليكس الى ان الحكومة المصرية طرحت امكانات عدة لاجهاض مشروع السد، الذي انطلق بما فيها اللجوء الى القوة. وانشاء قاعدة جوية عسكرية في دارفور، ولكن حكومتي البلدين، نفتا حتى الآن، شرعية الوثيقة وصدقيتها.
وهناك طريقة اخرى لاجهاض المشروع، الذي انطلق بمساعدات صينية، بتجميد تمويله الخارجي، على اساس ان اثيوبيا لا تملك الامكانات المالية الكافية لبناء السد، وكانت مصر عانت من اسوان، في الخمسينيات، وكان سد اسوان، الحجر الاساس، الذي ادى الى تحويل سياسة مصر الخارجية في اتجاه الاتحاد السوفياتي، كما يدل المبنى التذكاري، الشاهد على التعاون بين البلدين، وفي استطاعة كل من يزور السد ان يشاهده على يمين السد العالي الذي ادى الى «تحول» الاف السكان الى احياء متواضعة في ضواحي اسوان.
وفي اطار السد الاثيوبي قام رئيس الحكومة المصرية، في الاسبوع الثاني من شهر اذار (مارس) الماضي، بزيارة شبه سرية الى جنوب السودان للتشاور حول امكانيات، ايجاد حل للمشكلة المتأتية عن اتفاقية 14 ايار (مايو) 2010، التي لم تجد حكومة حسني مبارك الوقت الكافي لمعالجتها. مع العلم ان التوترات فيها الكثير من ذيول سياسة النظام البائد الخارجية التي «انكرت الابعاد الافريقية للهوية المصرية: وتجاهلت دول حوض النيل» في نظر استاذ  العلوم السياسية، عيد محمد. وكانت العلاقات بين مصر واثيوبيا، وصلت في سنة  1995 الى حافة الانقطاع، بعد محاولة قتل حسني مبارك، التي قامت بها الجماعة الاسلامية، في اديس ابابا.
ويشير عيد محمد، الى ان «مصر بعد ثورة 2011، بذلت جهوداً لتقوية علاقاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مع دول الحوض، مع جهد لا تزال تبذله، لحل مشكلة المياه، عن طريق التفاوض والتعاون، كما دل انتقاء اثيوبيا احدى الدول الاوائل التي زارها محمد مرسي، وعين رئيساً للحكومة الاولى في عهده، محمد قنديل، وزير الشؤون المائية السابق.

مشاريع مشتركة
وكمثال على «الديبلوماسية الشعبية» قامت بعثة مصرية تضم رجال اعمال، وسياسيين وناشطين اجتماعيين واقتصاديين، بزيارة دول حوض النيل كدليل صارخ على الرغبة في حل مشكلة النيل عن طريق التعاون وتنفيذ مشاريع مشتركة. وشكلت مصر واثيوبيا لجنة مشتركة لدراسة ابعاد سد النهضة وذيوله.
وتقول مصر انها مقتنعة بان من شأن تقوية العلاقات الاقتصادية، وحدها، ان تسمح بتخطي خطر نشوب صراع عسكري. تحت وطأة الازدياد السكاني، في شكل مثير في مصر وفي سائر دول حوض النيل، التي يتوقع ان يتضاعف عدد سكانها، خلال ثلاثة عقود، وستجد السلطات المصرية، ذاتها مضطرة عاجلاً ام آجلاً، الى ايجاد الوسائل اللازمة لتأمين المياه التي تحتاج اليها من اجل البقاء.
ويطرح مراقبون في الميزان لعبة الامم، في ما يجري، حول مياه النيل، ويتوقفون عند زيارة قام بها وزير خارجية اسرائيل، في سنة 2009، الى الحبشة واوغندا وكينيا، اي قبل سنة واحدة من توقيع الدول الثلاث على اتفاقية حول مياه النيل، اعتبرتها القاهرة، «تهديداً» لامنها الوطني، و«تطوراً خطراً». فالى اي  حد يصل اهتمام اسرائيل، بمياه النيل؟
وفي انتظار الجواب، يبقى السؤال، حول كيفية، حل مشكلة اعادة توزيع مياه النيل، في مناطق تستعر فيها حروب المياه، مع استبعاد خطر نشوب حرب عسكرية، حول النهر الفرعوني، في انتظار نتائج الزيارة التي سيقوم بها رئيس الحكومة المصرية هشام قنديل الى اديس ابابا، في مسعى جديد لصب الماء على نيران النيل.

ج. ص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق