دولياترئيسي

حرب الفوكلاند تنتقل الى صناديق الاقتراع

نفظ، وغزوات في القرن الخامس عشر، هي بعض مقومات خلافات، لا تنتهي، بين بريطانيا والارجنتين، حول مجموعة جزر، اسمها فوكلاند، للانكليز ومالديفاس، للارجنتين. والمواجهة حولها، بلا حدود، بين لندن وبوينس آيرس، حتى بالنسبة الى التاريخ. لان الارجنتينيين، يعتبرون ان هذه الجزر التي تقوم في الناحية الجنوبية، من المحيط الاطلسي، اكتشفها الرحالة البرتغالي فرناندو دو ماجيلان، في اطار رحلة قام بها في سنة 1520، في خدمة التاج الاسباني. ويرد البريطانيون، بان كل ذلك، هو مجرد «كلام وقصص، لان اول اوروبي وطأت اقدامه ارض هذه الجزر، هو الرحالة البريطاني، الكابتن جون دايفيس في سنة 1592». ولكن الخلاف الحقيقي، في هذا الاطار، هو حول من استقر اولاً في هذه الجزر.

الادعاءات الارجنتينية، تعود الى سنة 1493، تاريخ صدور براءتين من البابا الكساندر السادس، تشرعان الملكية الاسبانية، لاراضي «العالم الجديد»، اضافة الى ان منشأة عسكرية اقامها الفرنسيون، على هذه الجزر، انتقلت الى الاسبان، في سنة 1767. ويشرح الارجنتينيون ان الجزر بقيت تحت السيادة الارجنتينية، بعد استقلال الارجنتين، عن التاج الاسباني، في سنة 1816، وان القراصنة الانكليز، لم يدعوا ملكية جزر المالديف، ولكنهم بدأوا باحتلالها، في سنة 1833، بعد ان طردوا سكانها، من ابناء الارجنتين.
واما الرواية البريطانية، فانها على نقيض ذلك، وتقول: «ان حملة ملكية وصلت الى الجزء الغربي من مجموعة الجزر، في سنة 1868، واستولت عملياً على كل الجزر، ووضعتها في عهدة الملك جورج الثالث؟
ولم تتخل بريطانيا عن سيادتها منذ ذلك التاريخ، بينما تخلى الاسبان عن مواقعهم، وتركوا الجزر من دون سكان، في العام 1811، وانه لم يكن على ارض المالديف، اي مدني في سنة 1833، باستثناء قوة عسكرية ارجنتينية، وصلت قبل 3 اشهر.
وتطالب حكومة بوينس آيرس، بهذه الجزر، منذ قرنين، ويشكل قربها من السواحل الارجنتينية (480 كلم)، احد اسس هذا الحق الرئيسية، اما بريطانيا فانها ترى ان هذا الادعاء، لا يقوم على اي اساس، ولم يساعد صدور قرارين عن الامم المتحدة، في سنتي 1962 و1965، في مصلحة الارجنتين، على جعل البريطانيين، يغيرون رأيهم. فاستمروا يعتبرون ان سكان هذه الجزر، الذين يسمونهم «كلبرز» هم مواطنون بريطانيون، بكل ما في الكلمة من معنى. وقبل ثلاثين سنة، ادت ادعاءات الارجنتين، الى غزو عسكري جديد، للجزر، نفذته الطغمة العسكرية الحاكمة. برئاسة الجنرال ليوبولد غالتييري، انتهى باستسلام القوة الارجنتينية، في 14 حزيران (يونيو).

مجتمع متماسك
تشكل مجموعة جزر المالديف – فوكلاند – مجتمعاً متماسكاً، يعرف جميع من فيه بعضهم البعض، ولا وجود فيه، لاي نوع من انواع الاجرام. السجن الوحيد في هذه الجزر، فارغ عملياً، من اي نزيل، ولا تعرف صخب المدن الكبرى وضجيجها، ويعود الكثيرون، من شبابها الذين يذهبون للدراسة في لندن، بعد بضعة اشهر، هرباً من ضوضاء العاصمة البريطانية.
وفي الاسبوع الماضي، نظمت السلطات البريطانية في المالديف – فوكلاند – استفتاء على كل هذا، شارك فيه 1672 ناخباً، من اصل 2563 من سكانها، لا يكفي عددهم لملء احد مدارج ملعب ريفربلايت، لكرة القدم، في بوينس آيرس، ولكن 60 صحافياً اجنبياً كانوا هناك،  اضافة الى مراقبين، من كندا، والنروج، والمكسيك والولايات المتحدة، وباراغواي واوروغواي، والشيلي وزيلندا الجديدة.
مجموعة المالفيناس – فوكلاند، مكونة من 760 جزيرة، لا تزيد مساحتها عن ولاية كونكتيكت في الولايات المتحدة، لكن عملية التصويت لم تجر الا في اكبر هذه الجزر، المعروفة باسم فوكلاند الشرقية وفوكلاند الغربية، ذات المساحة المتساوية، بينما لا يعيش في الغربية، اكثر من 100 شخص، وتتميز طبيعة اكثرية الجزر، بان الحياة غير ممكنة عليها، فلا تنمو فيها اية شجرة لان الرياح تمنعها من النمو.
جرى التصويت في اربعة مراكز اقتراع، نقل الناخبون اليها، من المناطق النائية، بواسطة سيارات ضخمة، ومراكب بحرية وطائرات برمائية.
النتائج كانت متوقعة، في مصلحة الانتداب البريطاني في مواجهة اية ادعاءات ارجنتينية، باسم تقرير المصير. وترفض الارجنتين، ما جرى، على اساس ان «السيادة» تتعلق بارض اكثر منها بشعب، وتعتمد هذه الكلمة لتأكيد سيادتها على ارض احتلتها بريطانيا، عسكرياً قبل قرنين، وعادت الى التأكيد ان الذين شاركوا في الاستفتاء، انما هم شعب «مزروع» «مستورد»، ودعت الى تطبيق قرارات الامم المتحدة، بحل المشكلة بالتفاوض، «على ضوء المصالح وليس رغبة السكان المحليين».
وكأننا امام مشكلة فلسطينية اخرى، وتسعى بريطانيا الى الحصول على دعم الولايات المتحدة، بان تعترف بحق السكان في تقرير المصير، ولكن واشنطن التي زار وزير خارجيتها جون كيري، مؤخراً لندن، تجنبت الامر، وقال كيري: «ان موقف الولايات المتحدة، لم يتغير، انها تعترف بادارة الامر الواقع ولكنها لا تتخذ موقفاً من مطالب السيادة المتبادلة مع ان الولايات المتحدة، دعمت بقوة، حق تقرير المصير، في جنوب السودان، الذي انفصل عن الخرطوم. وكذلك فعلت بالنسبة الى حق تقرير المصير، الذي خرج من الربيع العربي، في تونس ومصر.

نظام الحكم
جزر فوكلاند، تمارس الحكم الذاتي، الى حد بعيد، بينما تتولى بريطانيا، شؤون الدفاع والخارجية، ويتمتع المفوض البريطاني، بحق الفيتو حول القرارات الحكومية، ولم يسمح بالمشاركة في الاستفتاء، الا للذين يحملون جوازات سفر بريطانية ويقيمون في الجزر منذ 12 شهراً.
الهدف، كان سؤال المقيمين، هؤلاء اصحاب الحق اذا كانوا يريدون، ان تبقى مجموعة الجزر التي تقوم في عرض السواحل الارجنتينية، تحت الادارة البريطانية، في شكل ادق. كان السؤال: «هل تريدون ان تحافظ الجزر، على نظامها السياسي الحالي، كأرض بريطانية، في ما وراء البحار؟».
وكان الجواب نعم.

بين الارجنتين وايران
واذا كانت قضية المالديف، هي احدى المسائل التي تثير اكبر قدر من اللحمة بين الارجنتينيين، فان المسألة التي تتسبب بقدر كبير من المشاكل، هي تاريخية كذلك وان كانت لا تعود الى ابعد من سنة 1984، عندما ادى انفجار سيارة مفخخة الى مقتل 85 شخصاً، في مقر الجمعية التعاونية اليهودية الارجنتينية، وعبثاً سعى الرؤساء الذين تعاقبوا على مدى 19 سنة، الى حل احجية القاء القبض على المنفذين، وكان الرئيس الراحل، نستور كيرشنر (2003 – 2007) هو الذي خصص، مع زوجته كريستينا فرنانديز، التي خلفته على سدة الرئاسة، الجهد الاكبر في هذا السبيل، وذهب كيرشنر الى حد تشكيل هيئة قضائية خاصة بهذه القضية. وكان رئيس هذه الهيئة، القاضي البرتو تيمان، هو الذي وجه اصابع الاتهام الى ان الحكومة الايرانية، هي التي تقف وراء العملية. وفي سنة 2007، تدخل الانتربول باصدار مذكرات اعتقال دولية بحق ثمانية متهمين.
ولكن المشكلة ان بين هؤلاء خمسة «متميزين» هم: وزير الدفاع الايراني الحالي، احمد وحيدي، ووزير الاعلام السابق، علي فلاجيان، والمستشار الحكومي السابق محسن رباني، والملحق السابق في سفارة ايران في بوينس ايرس محسن رباني، والموظف الديبلوماسي السابق، احمد رضا اشفاري.
وكانت ايران نفت، حتى الآن، ضلوع احد هؤلاء بالقضية، ولكن وزير خارجية الارجنتين اليهودي هكتور تيمرمان، وقّع في 27 كانون الثاني (يناير) الماضي، مع نظيره الايراني في اثيوبيا، على مذكرة تفاهم، للتحقيق في القضية، فانهارت الوحدة الوطنية، التي كانت ميزت موقف الارجنتينيين منها حتى الآن.
ويشرح الصحافي، بيبه ايلياشيف: «ان عدد اليهود في الارجنتين، لا يتعدى 200 الف من اصل 40 مليون ارجنتيني، وكانت الجالية اليهودية، وقفت حتى الآن، صفاً واحداً وراء الحكومة الارجنتينية، ولن يبقى اي شيء على حاله بعد هذه الاتفاقية».
وكانت الرئيسة فرنانديز دو كيرشنر، اعلنت عبر موقع تويتر، بشيء من الحماس، بنود الاتفاقية، وشرحت ابعادها التاريخية، لانها تنص على انشاء «لجنة تقصي الحقائق من خمسة قضاة، ويسمي كل واحد من البلدين اثنين، اما الخامس فينتقى بالتوافق. هؤلاء القضاة يراجعون التحقيقات التي جرت حتى الآن، وتسمح الاتفاقية، للقضاة الارجنتينيين والايرانيين، باستجواب المتهمين الخمسة، الذين يسعى وراءهم الانتربول.

تفسيرات
ولكن هناك خلاف، حول التفسيرات بين الرئيسة ومنتقديها، في المجموعات البرلمانية، التي تشدد على الفارق الكبير بين «الاستجواب» و«الاخضاع للتحقيق». ولا يبدو ان الاشارة الواردة في مذكرة التفاهم، تشير الى امكانية القاء القبض على احد من المتهمين، لان الاستجواب قد يوازي مجرد مواجهة، في نظر المشككين.
واشار وزير خارجية الارجنتين الى انه لم يكن من الممكن، استجواب احد، قبل توقيع الاتفاقية، ولكن الامر اصبح ممكناً الآن، من قبل قاضٍ ارجنتيني.
فردت مصادر: «وما الفائدة من ذهاب قاض ارجنتيني الى طهران، اذا لم يكن في استطاعته ان يأمر بالسجن الاحتياطي؟!».
ومن العقبات الاخرى، ان ملف القضية يتألف من 200،000 صفحة. ومتى سيجد القضاة الخمسة الوقت الكافي لقراءتها، وما هو الوقت الذي سيلزم لترجمتها الى الفارسية ام الى الانكليزية؟!».
ومن المآخذ، انه سيكون في استطاعة الانتربول، سحب امر الاعتقال، بعد موافقة حكومتي، وبرلماني البلدين على الاتفاقية، على اعتبار ان الهدف تحقق، من الانذار الذي اطلقه، في نظر السيناتور المعارض، ارنستو سانز، من «الاتحاد المدني الراديكالي».
ولاحظ خوان كارلوس زابالزا، رئيس المجموعة الاشتراكية في الجبهة التقدمية الموسعة، غياب بند «السرعة» في الطريقة التي تنوي الحكومة تطبيقها. واعتبر زابالزا، مع معارضين آخرين، ان الاتفاقية ستساعد ايران على زيادة تواجد اقتصادي في اميركا اللاتينية، تحتاج اليه بعد رحيل الرئيس الفنزويلي، هوغو شافيز، بينما نفت الرئيسة فرنانديز وجود اية مصلحة اقتصادية وراء ما حصل. بما فيها تبادل مواد نووية، كما اشار البعض.

معرفة الحقيقة
وشرحت امام البرلمان: «اما لماذا كانت هذه الاتفاقية، فلأنني، اولاً امرأة تحب مواجهة المشاكل». واردفت انها لا تسعى الى اكثر من معرفة «حقيقة» ما حصل، وان اسوأ الحالات هو في ابقاء الامور على حالها».
بينما اعرب معارضون عن اعتقادهم، بان النقطة المخفية، هي النقص اليائس الذي تعاني منه الارجنتين، في مجالي الطاقة والاستثمارات.
واتهم معارضون الحكم في الارجنتين، بالتقرب كثيراً من محور كوبا – ايران – فنزويلا، لكن الرئيسة اصرت على انها لا تسعى الى اكثر من معرفة «الحقيقة». وانها لن تسمح لاحد بـ «استغلال مآسي الارجنتينيين، لاسباب جيو- سياسية .
ويبقى ان ننتظر لنرى مفعول انتخاب بابا جديد من الارجنتين في الفاتيكان، بالرغم من علاقاته المتوترة مع رئيسة الارجنتين.

جوزف صفير

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق