آدبأبرز الأخبار

غالب غانم: حاولت ان أترك النوافذ مفتوحة

منذ مدة ليست بالقصيرة، لم ألتق بالقاضي الدكتور غالب غانم، وكنت أتصور ان المناصب الكبيرة التي تبوأها، من شأنها ان تبعده، الى حد ما، عن المناخ الأدبي، وهو الذي يعتبر من قاماته الكبيرة. ولكن تبين  لي، ان العكس هو الصحيح. ولا غرابة في ذلك، ولا سيما عندما نعرف انه سليل عائلة تتعاطى مع الشعر والفكر والصحافة والقانون منذ ايام «المعلّم عبداللّه» مؤسس الدوحة الغانمية، اذا جاز القول. وعندما نعرف ايضاً، انه بقدر ما يدرك اهمية الأدب في مسيرة الأمم والشعوب، فهو يدرك كذلك، ان عجلة التاريخ لا تسير بلا قانون. من هنا، قال لي: «حاولت ان أترك النوافذ مفتوحة».

الى اي حدّ أخذتك المشاغل الرسمية بعيداً عن الحركة الأدبية؟
حاولت باستمرار عندما كنت في خضم المسؤوليات القضائية ان أترك النوافذ الخاصة مفتوحة باتجاه الأدب. وليس ممكناً جعل الشخصية الواحدة مجزأة، فهي كل متماسك وصورة عن ثقافة صاحبها وأحلامه. في هذه المرحلة ذات الاهتمامات الرسمية، كتبت كثيراً ونشرت قليلاً. إنما بيني وبين قلمي ميثاق لا تنفصم عراه وهو ألا أغيب عن الساحة الأدبية.

نتاج أدبي جديد
ما هو نتاجك الأدبي في ذلك الحين؟
أخذتني في احيان كثيرة المشاركات الأدبية في مناسبات شتى… تجددت طباعة كتابي المعنون «أبعد من المنبر» الذي ظهر في جزءين، وهو لا يزال ينمو وسينشر قريباً في أجزاء ثلاثة.
وأصدرت كتاباً آخر بعنوان «بسكنتا القامات بسكنتا القيم» للدلالة على موقع هذه المدينة المتنية اللبنانية في عالم  الشعر والفلسفة والكلمة الجميلة. كما صدر لي في سلسلة كتب جريدة «السفير» كتاب بعنوان «باسم الشعب… وللشعب» وهو يجسد تجربتي القضائية وافكاري في هذا المجال باسلوب لم يغب عنه الطابع الأدبي على الاطلاق.
وأنا الآن، في صدد كتابة سيرة ذاتية مثلثة الأضلاع عنوانها «ما لم يكتبه أبي». اما الاضلاع الثلاثة المعنية فهي: البيئة التي نشأنا فيها، والوالد، وصاحب الكتاب ايضاً.
وبودي الاّ تقف هذه السيرة عند حدود ما هو وجداني وحميم وخاص بشخص أو بعائلة، اذ من المتوقع ان تخرق هذه الحدود لتعكس تاريخ مجتمع وخيباته وآماله في آن.

تحية وفاء
ما هي مناسبة صدور كتاب «فوق الضباب» للشاعر عبداللّه غانم في طبعته الجديدة والفاخرة جداً؟
منذ حوالي السنتين افتتحنا في بسكنتا، مركزاً ثقافياً ومتحفاً على اسم الوالد عبداللّه غانم صاحب «فوق الضباب». في هذه المناسبة، شاء النقيب الناشر الاستاذ جوزف صادر ان يواكب هذا الحدث بمفاجأة أدبية تعيد الى الذاكرة أثراً من آثار عبداللّه غانم النهضوية، فكان صدور «فوق الضباب» في طبعته الثالثة المتميزة بمستوى طباعي يتناغم مع مضمونها الفريد. وهكذا اختالت الرباعيات على ورق صقيل، وتعززت بلوحات فنية للفنانة التشكيلية السيدة عفاف صادر.
هذا لا يعني ان الشعر المنشور ببساطة وتواضع هو دون ذلك الذي يتربع على آرائك شكلية فاخرة. كان المقصود بمثل هذا الاخراج الطباعي المميز، القاء تحية الوفاء على شاعر تميز طوال حياته بالبساطة العميقة وبالتواضع الخلاّق.

قامة تكتب عن قامات
بالرغم من ان الرسالة تُقرأ من عنوانها – كما يقولون – فكيف ترسم صورة كتابك «بسكنتا القامات بسكنتا القيم»؟
يعرف كثيرون كم كان كبيراً دور جبل لبنان وساكنيه وموهوبيه في الحركة الأدبية في عصر النهضة.
كانت بسكنتا واحدة من المعاقل الريفية التي وازنت بين التعلق بالتراب والتعلق بالتراث. بين التعاطي مع الأرض والتطلع الى الأبعد. بين المعول والقلم. لقد قدّمت هذه المدينة الريفية أسماء لامعة في ميادين الثقافة جميعاً وفي طليعتها الفكر والشعر.
وباعتباري من المؤتمنين على التراث الأدبي فيها، وممن شاركوا في غالبية الظاهرات الأدبية المتعلقة بأبنائها، كانت لي محاضرات ومداخلات في هذا الميدان، جمعتها في كتاب سميته «بسكنتا القامات بسكنتا القيم». لم أتحدث إذاً عن القامات فقط بل حاولت التوغل في المكنونات والقيم التي تطبع انسان هذه المنطقة، وهي ليست غريبة عن الانسان اللبناني عموماً.
وما أود التنويه به على الأخص، هو ان الكتاب أدبي بامتياز. واذا كان لا يحق لي وصف الاسلوب الذي توسلته فيه، فانني أدعو القارىء الى التبصر في هذه الميزة، اذا وصل الكتاب اليه. انه ليس نقداً على أدب بل أدب على أدب.

بين الأدب والقانون
الى أي حدّ يلتقي القاضي بالأديب، ومن ثم، القانون بالأدب؟
ما من شك في أن هذا السؤال مطروح، مع الأخذ بالاعتبار ما أنا عليه شخصياً. ولكن هذه الحالة موجودة في لبنان وعند العرب وفي العالم. لن ألجأ الى تعداد في هذا المقام، ولكنني أؤكد لك، ان ثمة محامين وقضاة كتبوا وعرفهم الناس في قلب الحركة الأدبية، واحياناً كثيرة في قلب الابداع.
القانون والأدب جوادان بامكانهما التضافر رغم التميز لتلوين الشخصية الواحدة بلونين متناغمين. فلماذا اللون الواحد دائماً، والثقافة الواحدة، ولماذا إغلاق الأبواب على حالات النفس وروافد الشخصية الانسانية التي تغتني بالتنوع.
لي في هذا المجال محاضرة قديمة عنوانها «بين الأدب والقانون» تصدت للموضوع وبيّنت موقعي من هذه الازدواجية المستحسنة. في أية حال، أنا لا أدعو الى جعل القانون يغرق في خيال الأدب وعالمه المرصود. ولا أدعو الى جعل الأدب قليل النبضات والرونق بلجوئه الى قواعد المنطق واسلوب النصوص الخشبية. انني ادعو الى ان يأخذ القانون من الأدب بعض البلاغة وبعض الوجدان، والى ان يأخذ الأدب من القانون بعض الضوابط التي لا يكون الأدب عظيماً إلا اذا أخذها بعين الاعتبار.

سلطتان…
ما الأقوى – في رأيك – سلطة القضاء أم سلطة الأدب؟
سلطة القضاء الزامية وسلطة الأدب اختيارية. ما من سبيل الى رفض الحكم القضائي حتى ولو كان ضدك، وما من سبيل الى تقبل النص الأدبي الا اذا هتف له قلبك وعبّر عن شجونك. ثم ان سلطة القضاء هي من الحق، اما سلطة الأدب فهي من الجمال. واذا فصلنا هاتين السلطتين عن ثالوث الحق والخير والجمال، نكون قد ذهبنا الى محاولة توفيقية بين ركنين من اركان الانسانية المنشودة يظن بعضهم انهما متضادان. الوصول الى صميم الحق هو كذلك لعبة جمالية. وادراك الجمال في طواياه وعِبَره النهائية هو شهادة يقدّمها الراؤون على عظمة الخالق الذي لا صفات حسنى الا اذا كانت آتية من حيث مواهبه واشعاعاته.
اما ذهابي الى ان سلطة الأدب هي من الجمال فليس دعوة الى التمسك بالوجه الخارجي وبالاسلوب الكتابي وبالشكل على العموم، فالأدب الجميل يمكن ان يكون ملتزماً او اقل التزاماً او متحرراً من كل التزام سياسي او اجتماعي. الادب هو ربيب الحرية، والحرية بامكانها ان تتجلى كلما كان لصاحبها الخيار بتوجيهها الى الوجهة التي يريد. أعود فأشدد على ان الالتزام في الأدب لا يرقى الى مرتبة الآثار الباقية الا اذا اتقن بدوره اللعبة الجمالية.

مفترق انساني
في حال طلب منك الاختيار بين القانون والأدب، فأيهما كنت ستختار؟
طالما انني اخترت طريقين تلتقيان على مفترق انساني واحد، فلماذا أشق طريقاً من هنا وطريقاً من هناك يذهب كل منهما في سبيله. الخيار صعب لأن الواقعة وقعت والشخصية تكوّنت على هذا الاساس.
القانون والأدب رفيقاي في رحلة الحياة ولم أتخل عن أي منهما. على نقيض ذلك، انني ابحث عن رفاق آخرين لهما.

آتٍ الى السياسة
هل تكون السياسة من هؤلاء الرفاق؟
قد تكون السياسة من هؤلاء الرفاق، مع الاشارة الى انها تحمل مفاهيم وتنهج مناهج مختلفة لا تنسجم في احيان كثيرة مع القضاء وترفّعه ونقائه ومناعته، أو مع الأدب ورقته واشراقه.
لقد قررت ألاّ أنسحب من ميدان الخدمة العامة وان اترشح للانتخابات النيابية المقبلة حاملاً معي قيماً كثيرة آتية من جهتَي القضاء والأدب، ومن الجهة الوطنية التي تعتبر السياسة أبرز تجلياتها. أنا آتٍ الى السياسة لأعطي لا لآخذ، ولجعل دائرة الوطنية فيها أوسع من دوائر الذاتية والنفع والمصلحة الخاصة.
وبالمناسبة، انني ادعو المثقفين بالمعنى الشامل للكلمة، الى خوض غمرات السياسة لعلها تصبح اكثر لياناً واعدل واجمل.

اسكندر داغر

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق