افتتاحية

لمن الغلبة… للطقم السياسي الفاشل ام للثوار؟

مرة جديدة تثبت الوقائع ان الشعب في واد والسياسيين في واد اخر، تبعد المسافة بينهما الاف الكيلومترات. اكثر من خمسين يوماً مرت على بدء الثورة الوطنية ضد الظلم والفساد والهدر والنهب، ولبنان متروك للاقدار، بلا حكومة تدير شؤونه وشؤون المواطنين، ضحايا هذا الطقم السياسي، تتقاذفه الامواج من ضفة الى ضفة، ولا من منقذ.
خمسون يوماً مرت وهم يتلهون بالتنافس على الحصص والمكاسب، فكأن البلد بالف خير، وكأن الاوضاع تسمح لهم بهذا الترف. واخر ما سجل في هذا المجال انهم مختلفون على توزيع الحقائب بعد تقسيمها الى سيادية وخدماتية وثانوية، وهم لا يدرون ان المهم ليست الحقيبة الوزارية بل الشخص الذي يشغلها. فالوزارات كلها تتساوى في الاهمية وتتفوق الواحدة على الاخرى بما تنتجه وتقدمه للناس وللوطن، وهذه بالطبع هي مهمة وكفاءة وقدرة الوزير الذي يشغلها.
خمسون يوماً مرت، إبتلى لبنان والشعب اللبناني خلالها بكل انواع الازمات، التي زادت الناس عذاباً وفقراً وجوعاً. فقد تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الذي اختفى من الاسواق، فحرم المواطنون من سحب اموالهم من البنوك، ومنعوا من تحويل ما يخدم حاجات ابنائهم في الخارج، وهبت الاسعار بشكل جنوني حتى اصبحت معظم العائلات عاجزة عن تأمين معيشتها، وغابت الرقابة لان المسؤولين غير قادرين على لجم هذا الفلتان، طالما انهم لا يملكون العلاج. كيف لا وهذا الوضع المزري هو من صنع ايديهم على مدى ثلاثين سنة واكثر. فافتقر الشعب ونهبت الاموال بفعل الصفقات المشبوهة، وفرغت الخزينة، واصبحنا بحاجة الى دعم خارجي فعال ينتشلنا من هذه الهوة. غير ان الدول التي تحرص على لبنان غير مستعدة للمساعدة، ما لم تتبدل الذهنية السياسية السائدة.
وليس تدهور الليرة هو الوحيد الذي ضرب الناس. لقد اشتعلت الازمات من كل الجهات، فحرم اللبنانيون من المحروقات وازدادت ازمة الكهرباء، والمياه سوءاً وهدد الوضع المالي بفقدان الدواء وحاجات المستشفيات وغيرها وغيرها من المواد الضرورية لحياة الانسان. كل ذلك والدولة غائبة. فلا حكومة تعمل على معالجة هذه الازمات والبحث عن حلول لها. ولا حكومة تصريف الاعمال تجتمع لتعمل ولو بالحد الادنى المسموح لها به.
حاولوا اخماد الثورة بكل ما تيسر لهم. وارسلوا من يضرب الثوار في الساحات العامة، ويفتعل الاشتباكات على امل تخويف الناس واخراجهم من الشارع، ففشلوا في خطتهم، لان المواطنين كانوا اقوى منهم وبدوا مصممين على وضع حد لهذا التدهور السياسي في الاداء الذي اوصل البلاد الى هذه الحال المتردية، لا بل المهترئة.
لقد اثبت الثوار انهم اكثر وعياً من السياسيين واكثر كفاءة فلقنوهم دروساً بالوطنية وردوا على محاولات التفرقة التي حاولها المتضررون من الثورة، بابهى صورة وطنية تجلت في لقاء ابناء الشياح وعين الرمانة الذين اعلنوا نبذهم للقتال والحروب الاهلية، وتبادلوا الورود بدل اطلاق النار. وكذلك كانت الحال بين ابناء التباريس وخندق الغميق فضربوا محاولات التفرقة الطائفية بالتضامن الوطني.
كل ذلك والسياسيون لم يتنبهوا الى ان شيئاً ما تغير، وان العقلية التي كان البلد يحكم بها على مدى اكثر من ثلاثين سنة، تبدلت بعد 17 تشرين الاول واختار الثوار طريقاً صحيحاً لها. فلمن تكون الغلبة، هل ينجح الطقم السياسي المتحكم بالبلد منذ عقود، فيحافظ على مكاسبه، ام ينتصر الشعب ويقود البلاد الى التغيير؟

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق