افتتاحية

حكومة الاضداد هل تكون على مستوى الامال؟

تراجع المعرقلون واصحاب المصالح فابصرت الحكومة الجديدة وبصورة مفاجئة النور، وباشرت العمل وسط سيل من التعليقات، اعتاد عليها اللبنانيون عند تشكيل اي حكومة، او عند حدوث استحقاق مهم. هذه الحكومة امامها اولوية هي قانون الانتخاب، ولكن هذا لا يعفيها من التطلع الى شكاوى الناس وحاجاتهم اليومية الملحة، كالكهرباء والمياه والنفايات وغيرها. والانظار اليوم شاخصة اليها فاما ان تكون على مستوى الامال، واما ان تتشبه بالحكومات السابقة، فتبقى الامور على حالها، وتبقى الشكوى قائمة والشعب يئن دون ان يعلو له صوت.
الباب الايجابي في هذه الحكومة انها تضم الكثير من الاسماء الجديدة، وهذا يعني ابعاد السياسيين الجاثمين على صدور الناس منذ عشرات السنين، فهل يكون التجديد على مستوى تطلعات الناس؟ اننا لمنتظرون وبلهفة، فنأمل الا تخيب الامال.
بسحر ساحر وبعد ان تسرب اليأس الى النفوس ولدت الحكومة وفجأة لماذا؟ وماذا جرى مع ان الساعات التي سبقت اعلانها لم تكن مشجعة:
«الحكومة الجديدة خلال ساعات او على الاكثر خلال ايام قليلة. ذللت العقد والاجواء ايجابية، التشكيلة باتت جاهزة ويجري وضع اللمسات الاخيرة عليها. تشكيل الحكومة يعود الى نقطة الصفر الخ…» عبارات بقينا نسمعها على مدى اكثر من خمسين يوماً والوضع على حاله، والدلع السياسي قائم، والبلاد التي شهدت سنتين ونصف السنة من الفراغ الرئاسي القاتل، تهددت بالانتقال الى الفراغ الحكومي الذي لا يقل ضرراً عن الاول.
ومن يعرف الوضع السياسي في لبنان، لا يستغرب هذه الفوضى القائمة. فهناك فريق سياسي غير جدير بان يتولى المسؤولية، وكل همه تأمين مصالحه على حساب البلاد والعباد. وهذا ان دل على شيء فانما يدل على ان لبنان بحاجة ماسة الى قانون انتخابي عصري، يؤمن التمثيل الصحيح لكل الفئات، وعندها فليتحمل المواطنون المسؤولية. فاما ان يوصلوا الى المجلس النيابي أناساً نظيفي الكف يتمتعون بالكفاءة العالية ويقدمون مصلحة البلد على اي مصلحة اخرى، واما فعلى الدنيا السلام. لبنان لم يعد يتحمل هذا المستوى الهابط من العمل السياسي.
في كل البلدان يكلف شخص تشكيل حكومة، ولا يمضي يومان او ثلاثة حتى تعلن اسماء الوزراء الجدد، وينصرفون الى خدمة بلدهم ومصلحة شعبهم، الا في لبنان فالشواذ قائم منذ عقود طويلة، ولا من يستطيع ان يصلح هذا الوضع المهترىء.
من المعروف ان الدستور يحصر تشكيل الحكومة بالرئيس المكلف، بالتشاور مع رئيس الجمهورية، وهما وحدهما المسؤولان عن هذا الاستحقاق. غير اننا رأينا في الاسابيع الاخيرة اطرافاً كثيرين يدخلون على خط التشكيل. فبأي حق نرى زعيماً سياسياً يتبرع لطرف اخر بحقيبة وزارية، يقول انها من حقه؟ فمن اعطاه هذا الحق؟ وهل ان الدستور يوزع الحقائب وفق الاشخاص والطوائف؟ وكيف يحق لهذا الزعيم ان يقوم مقام الرئيس المكلف فيهدي احدى الحقائب وكأنها ملك مطوب له؟ وبأي حق يعلن هذا الطرف او ذاك، انه حصل على هذه الحقيبة او تلك، قبل ان يعلن الرئيس المكلف توزيع الحقائب؟ فهل ان تشكيل الحكومات اصبح من مهام زعماء ينصبون انفسهم قيمين على الرئيس المكلف. وهل هكذا يدار تشكيل الحكومات في لبنان؟
الوضع حتى اللحظة الاخيرة التي سبقت التشكيل كان عالقاً بين حكومة من 24 وزيراً وحكومة من ثلاثين.
فهناك فريق كان يرفض صيغة الثلاثين ويصر على صيغة الـ 24، يقابله فريق كان يتمسك بالحكومة الموسعة التي في نظر المراقبين تفتح الباب امام الثلث المعطل، الذي كان في اساس خراب الحياة السياسية. وقد سبق للرئيس الحريري وهو الذي عانى الامرين من هذا الثلث المشؤؤم، ان قال بعد انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية لقد انتهينا من اتفاق الدوحة ولن نعود اليه بعد اليوم. ولكن هناك اطرافاً بقيت تحن الى هذا الثلث المعطل، لانها تعتبره سلاحاً في يدها، تستخدمه كلما دعت الحاجة الى ذلك. وقد نجحت في تأمين اكثر من ثلث معطل في الحكومة الثلاثينية الجديدة. فهل يعتبر ذلك هزيمة للحريري؟
والحديث عن حكومة الثلاثين اثار شهية بعض الاطراف، فرفضوا ان يكون ممثلوهم في الحكومة وزراء دولة، وطالبوا بحقائب فعالة، كما ان ما كان مقبولاً لدى بعض الاطراف اصبح مرفوضاً، فازدادت العقد وعاد التشكيل الى نقطة الصفر. وبدل ان يتم التوصل الى حكومة متوازنة فعالة تقدم هدية الى الشعب اللبناني بعد هذه المعاناة الطويلة، قدم الى اللبنانيين حكومة دعيت حكومة الاضداد فكيف سيكون برنامج عملها وهل ستستطيع ان تحكم ام ان الخلافات ستكون شعارها؟ فالى متى سيبقى هذا الشعب صابراً وهو يعاني ما يعاني من الفقر والاهمال؟ قد يكون في هذه المعاناة نوع من الايجابية، على اساس انها قد تساهم في ايقاظ الشعب وتنهضه من سباته وخنوعه، فيهب ويتحرك ويرغم الطبقة السياسية على التطلع الى مصالحه، او يعمد الى ابعادها نهائياً عبر الانتخابات المقبلة. نتمنى ذلك وان كان الامل ضعيفاً.
لقد بدا واضحاً ان المحطة الاهم في عمر الوطن بعد انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة هي قانون انتخاب كثرت الاوصاف التي ترددت حوله، ويبقى ايضاً ان يكون الشعب على مستوى هذا القانون، فيسير في التغيير الجذري، ويبعد من خربوا حياته وحياة اولاده، عن الحياة السياسية ومراكز المسؤولية، وهكذا فقط تستقيم الامور. فهل ان الشعب اللبناني جدير بهذه المهمة؟

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق