أبرز الأخبارتحقيق

صناعة «كاريزما» المرشحين… اسرار ومجالس بالأمانات!

يولد البعض وفي فمه ملعقة من ذهب، وفي فم البعض الآخر ثروة توازيها غنى والأهم أنها مكفولة لمدى العمر.
إنها الكاريزما التي تنمو بالفطرة عند الأشخاص من دون ان يدركوا احياناً مدى اهميتها على مستقبلهم المهني وحتى الإجتماعي، فكيف إذا فكر هذا البعض الذي يمتلك هذه الثروة دخول معترك السياسة؟
في لبنان الطموح السياسي اولوية والمرشحون اليوم على كرسي الرئاسة جربوا حظهم في اختبار منسوب الكاريزما كل على يد مدربه الخاص والنتائج تفاوتت بين مرشح وآخر لأنها تتوقف على مجموع نقاط واختبارات. وإذا صح ان المجالس بالأمانات والأسماء تبقى ضمن دائرة السرية إلا أن المكتوب يقرأ من عنوانه. لكن الرأي العام يبقى الحكم الأول! وهو حتماً يرفض ان يرى مدى قوة الكاريزما سوى عند زعيمه دون سواه طالما ان المقياس يتوقف عند شعار «الزعيم أو لا احد».


يقول عالم اجتماع الماني شهير «داخل كل انسان درجة معينة من الكاريزما. منهم من يخاطر في إظهارها وتطويرها ومنهم من يتعمد طمسها من خلال افتعال تصرفات غير موجودة أصلاً في شخصيته. لذلك إذا اردت ان تكتشف الكاريزما الخاصة بك ما عليك إلا أن تتصرف على سجيتك وتنسى تماماً رأي الناس فيك».
نصيحة يؤخذ بها من عالم اجتماع مشهور وضع بصمته على قواعد صناعة شخصيات عالمية ومنهم هتلر. لكن إذا اردنا تطبيق هذه القاعدة على الش
خصيات السياسية او الطامحين إلى دخول معترك السياسة في لبنان نكتشف ان المسألة صعبة وبعيدة جداً عن الواقع لأنه لا يوجد سياسي واحد يتصرف على سجيته او يطلق العنان لعفويته باستثناء ظاهرة وزير الداخلية السابق مروان شربل الذي شكل علامة فارقة بحسب خبراء التدريب في علم الكاريزما. ومع ذلك كان يحاسب احيانا من القاعدة الشعبية وبعض الأقلام الصفراوية على عفويته وعدم التزامه أصول «الديبلوماسية في الكلام والتصنع في التصرفات».

نعمة الهية
إذاً هي قصة كاريزما. وإذا عدنا إلى اصل الكلمة نجد أنها إغريقية ومعناها النعمة الإلهية او الموهبة الربانية. وهي حتماً كذلك كونها تشير إلى الجاذبية الكبيرة والحضور الطاغي الذي يتمتع به بعض الأشخاص بحيث يتمكنون من جذب انتباه الآخرين من دون جهد في وقت يفشل قادة آخرون في ذلك على رغم الجهد الذي يبذلونه. والثابت أنه بفضل هذه الكاريزما يضمن القائد اجتذاب الجماهير والإحتفاظ بولائهم وقد يصل به الأمر إلى درجة غسل الأدمغة. هل يذكركم هذا التوصيف بقائد أو زعيم ما؟
عالمياً الأمثلة كثيرة وفي مجالات عدة. ففي السياسة يستند المدربون في المعاهد المتخصصة في تطوير شخصيات السياسيين على امثلة عدة وأسماء من التاريخ منها تشرشل وغاندي ومانديلا. وفي عالم الرياضة مايكل جوردن وديفيد بيكهام وزيدان. وفي عالم الفن والطرب ام كلثوم وعبد الحليم حافظ والفيس برسلي ومايكل جاكسون والبيتلز. ماذا عن لبنان؟
يحكى ان الرئيس فؤاد شهاب كان يتمتع بكاريزما قوية. كذلك الحال بالنسبة إلى الرئيس كميل شمعون. أما الرئيس الراحل بشير الجميل فلا تزال هالة «
كاريزماه» تسيطر على جمهوره حتى اليوم.
وعلى رغم ارتباط ظاهرة الكاريزما بالقادة العظماء أمثال نابوليون ولينين وجون كنيدي وماو تسي تونغ وجمال عبد الناصر، إلا انها تقلصت لدى غالبية القادة المعاصرين. طبعاً هذا لا يعني ان الرؤساء الحاليين لا يتمتعون مطلقاً بالكاريزما،
لكن الواضح أن الأغلبية  لم تتعود بعد على فكرة تطوير مفاعيل الكاريزما أو تظهير ما يمكن منها، لإبعاد شبح الملل عن الناس خصوصاً أثناء إلقاء الخطابات. ويرد المدربون السبب إلى «النظم الإنتخابية» التي تضمن وصولهم إلى المنصب القيادي بدلاً من الشعبية أو الكاريزما الذاتية.
صناعة الكاريزما
ويبقى السؤال، ان كانت الكاريزما ظاهرة فطرية، هل يمكن لاشخاص يفتقدونها طبيعياً اكتسابها، وبمعنى اوضح، هل يمكن صناعة الكاريزما؟
يختلف خبراء القيادة والتدريب حول إمكانية «خلق» الكاريزما لدى الأشخاص المملين. فالبعض يرى أن هناك إمكانية في خلق
وبناء الكاريزما من خلال التدرب على آداء تصرفات وحركات معينة. في المقابل يرى فريق آخر أن أمراً مماثلاً قد يؤدي إلى نتائج عكسية لأن قوة الكاريزما تنبع من غموضها وتلقائيتها وعفويتها وحضورها بشكل طبيعي. وقد يؤدي افتعال حركات معينة (مثل الجلوس بطريقة انيقة أو تركيز النظر في اتجاه معين) إلى التأكيد على انعدام الثقة بالنفس وفضح هشاشة الإنسان من الداخل.
سنا اسكندر المدربة في الإطلالة الجماهيرية في معهد “Bright I” (العين الثاقبة، أو الأنا الثاقبة) تؤكد من خلال خبرتها في التعاطي مع عدد كبير من السياسيين ورجال الأعمال والطلاب أن هناك أشخاصا يتمتعون بموهبة الإطلالة والأداء والحضور وحتى في امتلاك نظرة قادرة على اختراق حشد جماهيري. وهناك أشخاص تكون لديهم هذه الموهبة لكنهم لا يكتشفونها إلا مع الوقت ويسعون إلى تنميتها وتطويرها. ومنهم من لا يمتلك هذه الموهبة إطلاقاً لكنهم يشتغلون على انفسهم لتحسين حضورهم. وهنا يأتي دور المدرب في المعاهد المتخصصة.
ما هي القواعد الأولى التي ينطلق منها المدرب في المعهد للتعامل مع الشخصيات  التي تطرق بابه؟
تقول سنا اسكندر: «أحياناً هناك اشخاص لديهم نظرة باردة او حزينة أو أنه تعوّد ان لا ينظر إلى الناس عندما يتوجه في الكلام إلى فرد أو مجموعة. وهذا خطأ كبير لأنه يمنع عنصر التفاعل مع الآخرين وبالتالي لا يستطيع المتكلم إيصال الرسالة أو إقناعهم بمضمونها». على ماذا يدل ذلك؟ تجيب: «إن انعدام الثقة عند القائد أو مطلق اي فرد يمنعه من النظر في عيون الآخرين من هنا نعمل على ان نخلق الثقة بالنفس عبر اساليب عدة منها جعله يحب مظهره الخارجي وإقناعه بأنه يتمتع بمواهب وصفات حتى لو كانت سلبية. في النهاية لا احد كاملاً وهنا لا بد من الإشارة بأننا لا نسعى إلى إزالة الصفات السلبية. على العكس قد تكون من نقاط التمايز عنده لكننا نسعى إلى تجميلها وتعليمه على تظهيرها بشكل صحيح. هنا تبدأ عملية اكتساب الثقة بالنفس».

خطاب جاذب
وتبقى مسألة التقنية «وهذه ترتبط  بمسألة كيفية تعامل الشخص مع جسده لإيصال الرسالة. فرجال السياسة الذين يأتون إلى المعهد يركزون كثيراً على هذه المسألة فندربهم اولاً على ان يحبوا  أنفسهم ويتعاملوا مع المادة التي يقدمونها بشغف. أما على مستوى النصوص فيجري تدريبهم على كيفية صناعة نص خطابي واختيار الشعار الذي يجذب الرأي العام وتركيب الكلمات التي تعلق في الأذهان». هل يكفي ذلك لإقناع الرأي العام بمضمون الخطاب؟
مبدئياً يمكن ضمان وصول الرسالة لكن على مستوى محدود، «اما إذا اردنا ان نتأكد من بقائها في الأذهان فننصح السياسي بتمرير الفكرة الأساسية التي يريد إيصالها إلى الرأي العام بمعدل 3 مرات: الأولى في بداية الخطاب والثانية في منتصف الكلمة وآخرها على أن يستعمل الكلمات عينها. كما نركز في عملية التدريب على كيفية التفاعل مع النص لجهة الإلقاء والصوت (متى يجب أن يتكلم بنبرة عالية ومتى يجب ان يخفض صوته).
 


ملكة الآداء
يستشهد المدربون بعدد من السياسيين والشعراء الذين يملكون «ملكة» الأداء. فالشاعر الراحل انسي الحاج مثلاً كان قادراً على إيصال كلماته بطريقة عجز عنها أعظم الكتاب والشعراء. أما على المستوى السياسي فيجزم المدربون ان عدداً من رجال السياسة تدربوا على تحسين اداء الخطاب السياسي لكن حتى اليوم لا يوجد سياسي واحد قادر على إيصال الرسالة بالشغف المطلوب.
تقنياً يمكن التأكد من مدى تفاعل الزبون مع القواعد والتعليمات في خلال 6 جلسات. وتؤكد سنا أن الجلسات تحصل إفرادياً لأن السياسيين، وحتى رجال الأعمال، يفضلون ان تكون جلساتهم سرية، والمجالس بالأمانات.
 في نهايتها  يمكن للمدرب أن يتأكد فيما لو كان سيذهب بشكل اعمق مع الزبون او ان قدراته تتوقف عند هذا الحد. ويمكن التأكد أكثر من خلال تفاعل المدرب مع الزبون وطريقة اقتناعه بخطابه السياسي كمرحلة اولى وقبل ان يطل على الجمهور والرأي العام.

جلسات سرية
المرشحون على رئاسة الجمهورية اللبنانية خضعوا جميعهم للتدريب؟ أين وكيف؟
مرة اخرى نقول  المجالس بالأمانات! لكن الواضح ان نسبة النجاح تفاوتت بشهادة المدربين. فصوت الرئيس امين الجميل لا يزال يشكل مللاً لدى البعض. والتقطيع عند ميشال عون يشتت الافكار وتكرار الكلمات عند الدكتور سمير جعجع «أكيد، أكيد أكيد» بات سمة موصوفة. اما سليمان فرنجية فعلى رغم تجاوزه لكثير من الأخطاء التي كان يرتكبها إلا أنه لا يزال ينقصه الكثير. ومع ذلك إسألوا جمهور كل زعيم. يأتيك الجواب قاطعاً أنه الأكثر جاذبية وصاحب اكبر كاريزما في البلد.
نعود إلى العلم طالما أن مقياس الزعاماتية هو المسيطر لدى الشعب. ما ينقص الزعماء جميعاً من دون استثناء هو الصدق. ثمة من يقول السياسة هي فن الديبلوماسية،  لكن الصدق اساس. من هنا إذا اردنا ان نضع المرشحين الأربعة المطروحة اسماؤهم على كرسي الرئاسة تكون النتيجة على الشكل الآتي: واحد يحتاج إلى تظهير صدقه، وآخر يشتغل على تشجذيب حضوره وإطلالته،  وثالث لم يعد في الإمكان تطوير إطلالته، ورابع وصل إلى أقصى ما يمكن لكن لا يزال ينقصه الكثير الكثير.
فهمتم عمن نتكلم في هذا الترتيب؟
الملتزمون بخط سياسي لزعيم ما سيتبنى الصفات الإكثر إيجابية لزعيمه. والمستقلون سيفندون المواصفات وعليها سيقرأون الرسالة بشكل اوضح.
فإلى دورات جديدة مع الإنتخابات الرئاسية إذا حصلت!

جومانا نصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق