صحة

اختنق بريقه ومات… حين ينقطع النفس!

نحو ثلاثة آلاف إنسان يموتون بالشردوقة سنوياً
 


نسمع أن فلاناً «اختنق ومات». ونسمع أن «لا أحد شرب اللبن وأصابته شرقة». وفي الأمس، أمس بالذات، شاركنا في جنازة إبن بمكين، الشاب، الذي «تشردق» ومات… فهل مات جراء الشراب والطعام؟ وهل علينا أن نُصدق أن الكبار يختنقون أيضاً من «شربة لبن»؟ وهل صحيح أن الإنسان الذي «يهد ويقد» قد يختنق بريقِهِ؟ وكيف نحمي حالنا من «لقمة طائشة» تعبر خطأ مجرى الهواء فتعبر بنا الى الآخرة؟

ألم تسمعوا بالمثل القائل: أعجب من إنسان تقتله شرقة وتقلقه بقه علام يتكبر؟ كثيرون سمعوا به ومن لم يفعل قد يُفكر بمضمونه وهو يسمع عن إنسان كان قبل دقائق، لا قبل ثوان، بكامل تألقه، يحلم، يطمح، يُخطط وفجأة: تقتله شرقة!

احياناً قاتلة
«الشرقة» هي التسمية الفعلية للمسمى الشعبي: الشردوقة… وتعني الشرقة إعتراض شيء ما، في لحظة ما، مسلك الهواء في الحلق، حلق الإنسان، ما يقتله أو يكاد يقتله.  وهذا ما حدث مع ابن بمكين، الشاب، الذي كان يتناول منقوشة بالزعتر في فان والده، الذي كان قد نزل للتوّ لإتمام عملٍ ما، وفجأة، نظر الوالد الى الفان فرأى ابنه يسعل بشدة محاولاً عبثاً الخروج من الفان لتنشق الهواء، هرع نحوه، حاول إسعافه، ركض نحوهما من صودف وجودهم في الجوار ونقلوه الى المستشفى، أزرق اللون، وفارق الحياة! مات. اختنق! ماذا حصل معه بالتفصيل؟ وهل كان يمكن إسعافه؟ وهل معنى هذا أنه ليس في كل مرة «نتشردق» فيها قد تسلم الجرة؟ وهل نفهم من كل هذا أن «الشرقة» ليست حكراً على الصغار؟
الطبيب الذي كشف على الشاب قال لمن أتوا به الى المستشفى: لو قمتم ببعض الحركات الإنقاذية السريعة لكان ربما قد عاش… فماذا كان يفترض أن يفعل هؤلاء؟
كلنا واجهنا ذات يوم وقد نواجه بعد وبعد الشرقة. نحاول أن نتنشق الهواء، نسعل، نتنفس بقوة و«يمشي الحال». الطفل قد يواجه أيضاً، أكثر من الكبار، الشرقة، فنضرب على ظهره ونقلب رأسه الى الأسفل قليلاً وقد «يمشي الحال»… فماذا يحدث معنا؟
يكون السبب غالباً في هكذا حوادث وجود طعام أو جسم غريب في ممر الهواء، في الحلق، ما يمنع عبور الهواء الطبيعي، ما قد يؤدي الى الموت إذا سُدّ المعبر كلياً وعجز المصاب عن لفظ الجسم الغريب. مررتم بهكذا تجربة؟ نجوتم؟ إحمدوا السماء فثمة نحو ثلاثة آلاف إنسان يموتون بالشرقة سنوياً.
ما السبب؟ هل يكمن في تناول قطع كبيرة من الطعام أم هي صدفة قد تحدث مع أي كان في أي لحظة حتى لو كانت «شربة لبن»؟
صحيح أن الحادث قد يحصل حتى مع «شربة اللبن» لكن لمزيد من الحيطة والحذر ينصح بتقطيع الطعام الى أجزاء صغيرة قبل التهامه، والى مضغه جيداً وعلى مهل وتجنب الكلام أو الضحك أو حتى شرب المياه حين تكون اللقمة في الفم. ممتاز. لكن ماذا لو حدثت الشرقة رغم أخذ كل الإحتياطات؟

 


النجدة…
بديهيٌ أن نسارع الى نجدة من نشعر أنه يعاني من شيء ما، من خلل ما، من عدم قدرة على أخذ النفس مثلاً وهذه الحركة العفوية يفترض أن يسبقها سؤال سريع نوجهه الى من يعاني: هل هي شرقة؟ فإذا أجاب، إذا تمكن وأجاب، فإن الحالة لا تكون خطيرة وبالتالي التدخل في هذه الحالة قد لا يكون ضرورياً، لكن في حال ظل يتلوى في مكانه غير قادر على الإجابة فيفترض مساعدته عبر الضغط على بطنه، تحت الصدر، وتحديداً على المنطقة المسماة الحاجب في محاولة لإخراج العضو الغريب العالق في القصبة الهوائية. ويفترض تكرار هذه الحركة مرات وعدم الإستسلام. وإذا لم تجرؤ (أو تجروئي) على هذا إصرخ، نادي الآخرين، إطلب مساعدة فورية عاجلة جداً فمن يختنق قد لا يكون أمامه متسع من الوقت ليُنقل الى المستشفى.
تحصل الشرقة إذاً عند محاولة الكلام خلال بلع الطعام أو بلع الطعام خلال الكلام وفي التفاصيل أن في تكوين الحنجرة ما يُشبه صمام أمان يمنع دخول أي جسم غريب الى القصبة الهوائية فتُقفل الحنجرة أثناء البلع ثم تعود وتُفتح إثر إتمام العملية. واللافت أن الحنجرة عند كبار السن تتأخر في تنفيذ هذه العملية فتحدث الشرقة.

 

تنفس بهدوء
تحدث الشرقة أحياناً خلال النوم فنستيقظ على كحة قوية، على شعور بالإختناق، فنحاول أخذ الهواء تلقائياً، بحركة عفوية، قبل أن نعود ونتنفس طبيعياً. ويحدث هذا غالباً نتيجة وجود إفرازات أنفية تدخل خطأ الى الحنجرة خلال النوم ويُنصح عادة من يعاني من هكذا حالة بالتنفس بهدوء، رويداً رويداً، من أجل السماح للهواء بالمرور مجدداً وبرفق عبر الحبال الصوتية المنقبضة فتنفرج الحنجرة مجدداً. وتذكروا جيداً أن الهلع ومحاولة التنفس بسرعة سيؤدي حتماً الى مزيد من انقباض الحبال الصوتية فتقفل الحنجرة أكثر فأكثر على نفسها. ويُنصح أيضاً في حالة حدوث الشرقة بإخراج المصاب الى الهواء الطلق، لا سيما الى الهواء البارد، ما قد يساعد في إنفراج أزمته.
ما زلتم تسألون: وكيف نعرف أن شخصاً ما يُعاني من شرقة لا من ذبحة قلبية مثلاً؟
الجواب بسيط ويُسمى في المفهوم العلمي: علامة، كما العلامة التجارية ربما في المفهوم الإقتصادي، ومن علامة أو علامات الإصابة بالشرقة: إحاطة المصاب حلقه بيديه وعدم قدرته على أن ينبث ببنت شفة وعدم قدرته حتى على السعال وإزرقاق أطرافه وشفتيه وجلده وصولاً الى فقدان الوعي.


ماذا لو كان من يتعرض الى الشرقة طفلاً رضيعاً مثلاً؟
ثمة علامات أيضاً قد تحدد حال الطفل بينها: فقدان الصغير القدرة على البكاء وإخراجه ما يُشبه «الشهيق» خلال تنفسه وعدم قدرته على إتمام عملية الشهيق والزفير وتغير لونه. في كل حال، وكما تعلمون، أو بالأصح تعلمنّ، قد «يتشردق» الطفل الرضيع حتى بالحليب، وفي هذه الحال يُنصح بقلبه على بطنه على إحدى الذراعين والضرب على ظهره بين منطقة الكتفين، أما إذا كان قد أصيب بما أصيب جراء بلع جسم غريب فالأمر يتطلب الضغط أيضاً على منطقة الصدر وتكرار المحاولة مراراً الى أن يلفظ ما في حنجرته.


ماذا لو تكررت الشرقة؟
يعمل الطبيب عادة على البحث عن السبب، متعرفاً على التاريخ المرضي للحالة، وأول ما يبحث فيه هي الحبال الصوتية التي قد تكون عاجزة عن الإلتقاء بسبب مشكلة ما في  الغشاء المخاطي المبطن لها ما يتسبب بصعوبة في البلع وبحدوث الشرقة خلال إتمام عملية البلع. فالحنجرة كما بتّم تعرفون تعمل كصمام أمان لمنع دخول الطعام والشراب أو حتى أي جسم غريب الى القصبة الهوائية من خلال الحبال الصوتية وهي مزودة بصمامات تعمل على إغلاق الحنجرة أثناء البلع وعند الضرورة ويؤدي الكحّ «إح إح» الى طرد ما يكون قد لامس خطأ سطح الحنجرة، أما الشرقة فتحدث حين تغلق الحنجرة على نفسها في ردة فعل طبيعية سريعة من أجل طرد ما يكون قد اقتحم حرمها ومنعاً لمزيد من دخول الأجسام الغريبة الى القصبة الهوائية.
يُقال مات بريقه! نعم، للأسف، ثمة إنسان ما على سطح هذا الكون كان قبل دقائق يضج حياة قد يكون يعاني الآن، الآن بالذات، من الاختناق بريقه… ألم نقل أن الإحصاءات تشير الى وفاة 3000 إنسان بالشرقة سنوياً!

نوال نصر
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق