رئيسي

جنوب السودان: حروب ومجازر تفتح ملفات الاحقاد القديمة

مئات السودانيين الشماليين قضوا في مجزرة بشعة لم يتضح بشكل نهائي من ارتكبها. وعشرات العاملين في احد مقرات الامم المتحدة قضوا في هجوم مباغت. ومئات الآلاف من اللاجئين تركوا منازلهم خوفاً من اعمال العنف.

كل تلك الاحداث وقعت في مناطق من جنوب السودان التي بات المراقبون يرصدون واقعها بانها تعيش حالة حرب طاحنة، وطويلة الامد، ويرى المحللون انها تخضع الى مشروع تقسيم جديد لم تتضح معالمه النهائية بعد. اللافت هنا هو غرابة ما يجري على ارض جنوب السودان التي حلم اهلها طويلاً باقامة دولة، والذين صوتوا بكثافة في الاستفتاء على الانقسام عن الشمال. فقد تطورت الاوضاع في تلك البقعة لتصل الى مرحلة من الصعب فيها تحديد من هو الصديق ومن العدو. ولا من هو المستهدف ولماذا الاستهداف.
الدليل الاخير يمكن ان يكون حجة مقنعة على تلك الفرضية، حيث قتل المئات من المدنيين الذين ينتمون الى مناطق تتبع لشمال السودان، دون ذنب ارتكبوه. وكل ما كانوا يعملونه هو محاولة شراء اغنام باعتبارهم من تجار المواشي. قبل ان تضيع دماؤهم هدراً بين القبائل، بحكم تخلي كل فريق عن مسؤوليته تجاه دمائهم.
وبالتوازي قتل العشرات من السودانيين وغيرهم ممن كانوا يعملون في احد مكاتب الامم المتحدة، مع ان مهمتهم كانت انسانية، وكانوا يقدمون الخدمة الى المشردين من ابناء السودان.

اعمال عنف ومواجهات
كل ذلك، يساوي شيئاً يسيراً من مجمل الاحداث الجارية هناك، حيث تتواصل اعمال العنف والمواجهات بين القوات النظامية التابعة للرئيس سلفا كير، والثوار الذين يتزعمهم اركي مشار الطامح الى انجاح انقلابه وصولاً الى السلطة والى رئاسة الدولة.
التقارير تتحدث عن تصاعد حالة الغضب في مختلف مناطق السودان، وخصوصاً التابعة لدولة الشمال، على مقتل مئات المدنيين في مدينة بانتيو – عاصمة ولاية الوحدة بجنوب السودان في هجوم أنحت الحكومة باللائمة فيه على قوات المتمردين بقيادة رياك مشار. وفاقم من حالة الغضب عدم وجود إحصاءات ومعلومات رسمية عن الحادثة.
فبينما أعلنت قبيلة المسيرية عن أن 315 شخصا قتلوا بما وصفتها بالمجزرة البشعة بحق المدنيين بينهم أسر بكاملها قتلوا ذبحاً ورميا بالرصاص، ذكرت الحكومة السودانية أنها لا تملك حتى الآن معلومات عن أعداد القتلى، وحملت – الحكومة – الجبهة الثورية، وهي تحالف لمتمردين من دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق – مسؤولية الحادثة، «لتورطها في الصراع الجنوبي الى جانب الرئيس سلفا كير مارديت».
كما شككت مصادر دبلوماسية بالخرطوم في الأرقام المعلنة لضحايا بانتيو، مشيرة إلى أن هناك صعوبات في معرفة أعداد القتلى في ظل الحرب الدائرة هناك.
الى ذلك، يتوقف المتابعون عند ما تركته الحرب الجارية في دولة جنوب السودان بين الحكومة والمتمردين من ذيول اتسعت دائرة ضحاياها، لتطاول هذه المرة تجاراً شماليين من السودان.

اتهام قوات مشار
واتهمت مصادر سودانية القوات المتمردة بزعامة ريك مشار التي سيطرت على المدينة، بينما اتهمت مصادر أخرى حكومة الخرطوم بالضلوع بالمجزرة من خلال قناعة بتورطها في دعم المتمردين الذين يقاتلون نظام سلفا كير.
وهناك اتهامات متبادلة بين طرفي الصراع في جنوب السودان حيال ما جرى، في وقت تتهم فيه جوبا حكومة الخرطوم بدعم قوات التمرد.
يذكر أن جنوب السودان ما زال يعيش حالة حرب أهلية تخوضها القوات المتمردة ضد نظام سيلفا كير وتسعى إلى إسقاطه متهمة اياه بالفساد، وخلال الأشهر الماضية سيطرت تلك القوات على بعض المدن الاستراتيجية التي تقع فيها الآبار والمنشآت النفطية.
الى ذلك، أسفر هجوم استهدف قاعدة للأمم المتحدة في جنوب السودان، تضم لاجئين، عن مقتل 58 شخصاً، وإصابة 100 آخرين، وفق ما أعلن مسؤول برنامج المساعدة الإنسانية في البعثة الأممية طوني لانزر.
ووفق لانزر، فإن مجموعة من 350 مسلحاً شاباً بثياب مدنية لجأوا إلى العنف المفرط لاختراق محيط القاعدة في مدينة بور التي تسيطر عليها الحكومة، ثم فتحوا النار على المدنيين الخائفين بهدف قتل أكبر عدد ممكن.
وأضاف «حين اتضح لنا أننا نتعرض لهجوم سارعنا إلى الرد، وقد أنقذ الرد السريع لقوات حفظ السلام كثيرين».
وأشاد لانزر بعمل قوات حفظ السلام من الهند والنيبال وكوريا الجنوبية المسؤولة عن حماية خمسة آلاف لاجىء في القاعدة. وأشار إلى أنه تم اتخاذ إجراءات لتعزيز أمن القواعد الأممية، والتي لجأ إليها نحو 60 ألف شخص من إثنيات مختلفة.
وبحسب المسؤول الأممي، فإن الأسبوع الماضي كان الأكثر قتامة في تاريخ جنوب السودان، ليس فقط بسبب الهجوم على القاعدة، وإنما أيضاً بسبب الأعمال الوحشية في بنتيو شمالاً، والتي استعاد المتمردون السيطرة عليها.
ووفق لانزر، فإن نزاع جنوب السودان دخل في «عصر الثأر»، علماً بأنه اندلع في 15 كانون الاول (ديسمبر)، بين القوات الموالية للرئيس سيلفا كير والمتمردين الموالين لنائب الرئيس السابق رياك مشار.

نداء دولي
وبالتزامن، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، نداء ملحاً من أجل جنوب السودان حيث يواجه مليون شخص خطر المجاعة بسبب المعارك وموسم الأمطار.
وقال بان لدى استقباله في مقر الأمم المتحدة بنيويورك المفوضة الأوروبية المكلفة بشؤون المساعدات الإنسانية كريستالينا جورجييفا «إذا لم نتحرك فوراً فإن مليون شخص قد يعانون من المجاعة في غضون أشهر».
وأضاف «أن ملايين السودانيين الجنوبيين جائعون اليوم، معترفاً بوجود مستويات عالية جداً من سوء التغذية في صفوف مئات آلاف النازحين من جراء النزاع، وخصوصاً النساء والأطفال، وطالب بـوضع حد للمعارك وإيجاد الموارد للاستمرار في تقديم الدعم والمساعدة» للمدنيين.
وأوضح الأمين العام أن الحاجة الى توفير هذه الموارد الآن أمر بالغ الأهمية للتمكن من إيصال الإمدادات المنقذة للحياة قبل أن يبلغ موسم الأمطار ذروته فحينها تصبح غالبية الطرقات في جنوب السودان غير سالكة.
من جهته، اتهم جيش جنوب السودان حكومة الخرطوم بدعم المتمردين وتدريبهم داخل الأراضي السودانية بغرض السيطرة على ولاية الوحدة الغنية بالنفط، في حين نفى الجيش السوداني هذه الاتهامات، واعتبرها محاولة من بعض الجهات لإفساد نتائج زيارة رئيس دولة جنوب السودان الأخيرة للخرطوم.
وقال خبير عسكري سوداني إن اتهامات الجيش الشعبي دليل على وجود خلافات داخل حكومة جنوب السودان.

هجوم المتمردين
وقال المتحدث الرسمي باسم جيش جنوب السودان، فيليب أقوير، إن قوات التمرد التابعة لرياك مشار شنت هجوماً على منطقة «تور الأبيض»، وفيها حقول النفط ومصفاة جديدة تحت الإنشاء، بغرض السيطرة عليها، لكن القوات الحكومية دحرت المتمردين إلى خارج المنطقة، واتجهوا نحو كيلو 30 بالقرب من الحدود السودانية.
وأشار العقيد أقوير في تصريحات صحفية، إلى أن القوات التي هاجمت ولاية الوحدة جرى تدريبها في معسكر واقع بين منطقتي «هجليج» و«الخرصانة»، وهي تحت سيطرة القوات المسلحة السودانية، نافياً علمه بوجود إمداد مباشر من الخرطوم إلى قوات التمرد.
من جهته، أكد المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية العقيد الصوارمي خالد سعد أن ما تناولته بعض أجهزة الإعلام الخارجية بخصوص أن متمردي دولة الجنوب تم تدريبهم أو فتح معسكرات لتدريبهم داخل الأراضي السودانية لا أساس له من الصحة.
وأكد العقيد الصوارمي في تصريحات، أن المنطقة الواقعة ما بين منطقتي هجليج والخرسانة بولاية غرب كردفان فيها أعداد كبيرة من النازحين من دولة الجنوب الذين نزحوا بسبب المعارك الشرسة التي وقعت بين الأطراف المتنازعة هناك ويتلقون المساعدات من منظمات العون الإنساني.
ومن جانبها، نفت الأمم المتحدة، قيام بعثتها في جنوب السودان بتسليح ودعم المتمردين ضد حكومة جوبا في الحرب الدائرة هناك منذ كانون الاول (ديسمبر) الماضي.
وقالت رئيسة بعثة الأمم المتحدة بدولة جنوب السودان، هيلدي جونسون، في مؤتمر صحفي في جوبا: «إن لجنة تحقيق أممية رفيعة المستوى، أكدت أن قافلة السلاح التي صادرتها حكومة الرئيس سلفا كير في ولاية البحيرات بوسط البلاد في مطلع اذار (مارس) الماضي، لم تكن متجهة إلى المتمردين، ولكن لأفراد حفظ السلام من غانا».
ونفت جونسون، مزاعم حول قيام البعثة بتسليح ودعم المتمردين الذين يقودهم نائب الرئيس السابق ريك مشار، في الصراع مع قوات الحكومة، وتأليبهم ضدها.

احمد الحسبان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق