دولياترئيسي

هل تتحول مالي الى افغانستان افريقية؟

مقولة سودانية قديمة، تقول: «يأتي الملح من الشمال، والذهب من الجنوب، والفضة من بلاد البيض، ولكنك لا تجد كلام الله، والقصص الجميلة، الا في تيمبوكتو». ليست المدينة غنية بالمناجم، ولا تملك ثروات طبيعية خاصة، ولكنها، ولدت من واحة، قبل الف سنة، نتيجة موقعها الستراتيجي الفريد، بين عالم الصحراء وسهولها الكثيرة العشب، في نقطة يتوغل فيها نهر النيجر الى اعمق نقطة في الصحراء. ومن تيمبوكتو، كانت تنطلق القوافل المحملة بالملح، «الازالاي» لتعبر الاف الكيلومترات، مروراً بكينغني الى عودان، في عدرار الموريتانية الحالية، على طول آلاف الكيلومترات، وصولاً الى البحر.

يشكل الاستيلاء على تيمبوكتو، الاسطورية، نقطة التحول في هذه الحرب التي كان ينتظرها الفرنسيون وما تبقى من الجيش المالي، قبل الانتقال الى السيطرة على مدينة كيدال ومطارها. ولتيمبوكتو، قيمتها الرمزية الكبيرة في هذا الصراع بين الاسلام المعتدل الذي يميز مالي وتقدم المتطرفين الاصوليين، اضافة الى دورها المركزي في المشاكل القائمة بين الطوارق وعرب المنطقة وشعوب الشمال. ففي هذه المدينة التاريخية، حطّم الاصوليون مدافن ومقامات ابرياء المسلمين القدامى، من رموز الصوفية، المنتشرة في تلك الانحاء. فدمورا شعاراتها وحطموا رموزها بالحماس ذاته والتصميم الحاقد اياه، اللذين حركاهم في تونس، حيث حطموا خلال سنة واحدة 36 من مدافن ومقامات ابرياء الصوفية.
وكانت القوات الفرنسية المدعومة بجنود ماليين استعادت مدينة تيمبوكتو، مدينة الصحراء الاسطورية، ولكن الجهاديين الدمويين، الذين فرضوا حكم الشريعة على المدينة، عمدوا، قبل الفرار، الى اشعال النار في مبنى احمد بابا، الذي كان يحفظ مخطوطات تاريخية، يعود بعضها الى عام 1200، وبذلك يكونون قد وجهوا ضربة الى التراث الثقافي لمدينة اعتمدتها اليونسكو تراثاً للانسانية. ولكنهم هشموها مرة اولى، عندما دمروا مدافن علماء الصوفية، التيار الذي يعتبره الاصوليون معتدلاً.
وفي وسط تيمبوكتو، كانت تقوم ولا ادري اذا كانوا دمروها «شعلة السلام»، المصنوعة من الحجارة على شكل لهب، حيث دفنت البنادق والرشاشات في الاسمنت، بعد الاتفاق الذي عقدته الحكومة المركزية مع ثوار التسعينيات.

حل عسكري
وتشهد مالي اليوم، حلاً عسكرياً آخر، قد يحتاج الى اتفاقية جديدة بين الشمال وباماكو، بينما بدأ موسم «الحماتان»، الرياح التي تحمل معها الرماد والغبار، يضرب تيمبوكتو فيعيد اليها اجواء والوان سحرها المتلالئة التاريخية.
ومثلما فعلت للاستيلاء على غاوو، المدينة المالية الكبرى في الشمال، المحتلة من الاسلاميين الاصوليين، «بسطت» القوات الفرنسية الخاصة، الارض مدعومة بالطوافات وبالطائرات الحربية امام القوات البرية، واشارت المصادر الفرنسية الى ان حوالي 200 من المظليين انزلوا في شمال المدينة، في مسعى لسد الطريق امام احتمال هرب الجهاديين الذين بقوا في المدينة، ولكن وزير خارجية فرنسا، لوران فابيوس، حذّر من خطر الذين اختفوا مختبئين في الصحراء، في انتظار مناسبات افضل.
وتشهد الحرب في شمال مالي، كذلك، عملية هروب من نوع آخر. انهم شعب الطوارق، المعروفين بذوات العيون البراقة، من ارض الحرب، ويؤكد من زار المنطقة. انه لم يشاهد سوى رجال سود اللون: الـ «بامبارا بويل سونراي بوبوس» (الصيادين في النهر)، نهر النيجر الذي يقدس بمياهه المقدسة، حتى افواه الموتى المقفلة.
فاين انتهى الطوارق، ذوو «البشرة الفاتحة»؟ انهم اختفوا واختبأوا، وتبخروا، انهم خائفون ولكن لا رحمة في الدول المجاورة التي لجأوا اليها.
هؤلاء الطوارق، طالما احييناهم في مخيلاتنا، من دون ان نعرفهم، وكتبوا عنهم الكتب، وصنعوا افلاماً سينمائية عنهم، برزت بطولاتهم، على ظهور خيولهم، في الصحراء، وروت لنا اساطيرهم، واطلقوا اسمهم على احدى السيارات، فعرفناهم، كما ليسوا في الحقيقة. هؤلاء «الرجال الزرق» مقاتلون لا يهابون الاخطار، ولا يخافون، ولا يقهرون، بالنسبة الى الجميع، ولكن ليس بالنسبة الى ذلك الغرب، الذي هزمهم، وذلهم، على الحدود عندما استعمرهم، ثم راح يصنع الاساطير التي تجمّل صورتهم.
واليوم عاد هؤلاء، يشوهون صفحة تاريخهم، بعد ان قاتلوا، في خدمة معمر القذافي، وعادوا الى شمال مالي، محملين بالسلاح الذي وضعوه في خدمة الاصوليين حلفاء القاعدة في الصحراء الافريقية.

تهميش الطوارق
فبعد سنة من عودتهم واعلانهم الثورة على نظام باماكو، عاصمة مالي، من اجل استقلال منطقتهم في شمال مالي، وتحولت الثورة مع الوقت الى ابعاد جديدة، فان الحركة التي بدأت انفصالية، ناتجة عن مشكلة داخلية، سببها تهميش تاريخي، يشعر الطوارق بأن باماكو تمارسه في حقهم، تحولت الى صراع دولي، بتدخل فرنسا عسكرياً، ضد المجموعات الجهادية، التي فرضت ذاتها بقوة، في الشمال ، وتهدد بان تكون لها ذيول في منطقة الساحل بكاملها، وشمال افريقيا، وحتى اوروبا.
ولكن هذه الاوروبا، تركت فرنسا تقاتل، حتى الآن، وحيدة في مالي، حتى حققت انتصارات عسكرية، اساسها «تحرير» كل الشمال.
فاسرعت بريطانيا، تعلن، في الاسبوع الماضي، انها سترسل 240 عسكرياً الى مالي، والى مواقع اخرى في افريقيا الغربية، لدعم القوات الفرنسية.
واكدت بريطانيا، ان مشاركتها تدخل في اطار مهمة يديرها الاتحاد الاوروبي، مع التأكيد على استبعاد اي تورط عسكري بريطاني، في عمليات قتالية. وعلم على هامش مداخلة لوزير الدفاع البريطاني، فيليب دسموند، ان التدخل البريطاني سيشمل اضافة الى 40 مستشاراً عسكرياً، في مالي، حوالي 200 عسكري في سائر افريقيا الغربية. كما انها تسمح للولايات المتحدة باستعمال قواعد عسكرية في بريطانيا، لتتزود طائراتها المتوجهة الى مالي، لمساعدة القوات الفرنسية بالامدادات. بينما ستضع المانيا في تصرف العملية العسكرية في مالي، حوالي 15 مليون يورو. وجاء الاعلان في اطار المؤتمر الذي انعقد في الى اديس ابابا، لدعم التدخل العسكري الفرنسي، اضافة الى مساهمة لوجستية. وكانت السيدة ميركل تعهدت بهذه المساعدات، خلال احتفالات بالذكرى 50 لمعاهدة الصداقة الفرنسية – الالمانية. واعلن الاتحاد الافريقي مشاركته بـ 37 مليون يورو، والاتحاد الاوروبي بخمسين مليوناً، وتعهدت اليابان بمئة وعشرين مليون دولار (90 مليون يورو) لاستقرار منطقة الساحل ولدعم النشاطات الانسانية في مالي، بينما ارسلت بلجيكا 70 جندياً.
وفي الانتظار وقعت عشرات المحلات التجارية والمنازل «العربية» و«الموريتانية» و«الجزائرية» (ايضاح الهويات من مصادر المهاجمين) ضحية اعمال نهب وسرقة. انهم يتهمونهم بالتعامل والتعاون والتحالف مع الارهابيين الاصوليين، الذين احتلوا المدينة عسكرياً. وردت الاخبار، ان اسلحة وذخائر واجهزة لاسلكية للاتصالات وجدت في بعض هذه المحلات، بعد ان دخلت القوات الفرنسية – المالية، المدينة، واستولى الناس على كل ما وقعت عليه ايديهم، خصوصاً في محلات بيع الانظمة والاجهزة الالكترونية، من تلفونات وتلفزيونات وآنتينات، وان خناقات وقعت بين الذين تولوا عمليات النهب.

مؤتمر اديس ابابا
وكشف مؤتمر اديس ابابا، الذي انعقد يوم الاربعاء في 30 كانون الثاني (يناير) الماضي، ان النيجر اعطت، الطائرات الاميركية من دون طيار الحق في التحليق على طريق مالي.
بينما تتكون «القوة الدولية لمساعدة مالي»، اساساً، من دول افريقيا الغربية. عديدها 5500 جندي، على الشكل الآتي: 2000 من التشاد، و900 من نيجيريا، و540 من توغو، و500 من النيجر، و450 من السنغال، و300 من كل من بوركينا فاسو وبنين، و180 من غانا، و145 من غينيا.
الجنرال عبد القادر، القائد النيجيري للحملة الافريقية، يشير الى ان 1600 جندي، فقط من هذه القوة، موجودون على الارض، تقتصر مهامهم  على تأمين سلامة المناطق التي يستولي عليها الفرنسيون. ويشير القائد النيجيري، في وضوح الى نقاط الضعف في القوة الافريقية: «نقص في وسائل النقل والدعم الطبي، والمعلوماتية، والطوافات القتالية، وطوافات النقل العسكري خصوصاً».
وكان مؤتمر عقده قادة الجيوش الافريقية، في مقر قيادة جيش شاطىء العاج، قرر رفع عدد قوة التدخل الافريقية، من 3300 الى 5700 رجل، بانضمام دول مشاركة اخرى. مثل غينيا – بيساو وغينيا كوناكري، بالمشاركة بـ 2250 جندياً لكل واحدة منهما، ولكن ليبيريا اعتذرت.
اما تشاد، التي ليست  عضواً في منظمة دول افريقيا الغربية الاقليمية فقررت المشاركة في المجهود العسكري الافريقي. اهمية هذه المشاركة، هي في ان التشاد تملك افضل سلاح جوي في المنطقة وتجربة عملانية قيمة، في الاراضي القاحلة. بالرغم من مآخذ على قساوة تعاملها مع المدنيين.
وهكذا تكون اجواء واعمال التوتر، التي ادمت شمال مالي في الاشهر الاخيرة، بين الاصوليين والسكان المحليين، انتقلت الى المرتبة الثانية، منذ ان جرى تدويل الصراع.
وما يحصل الآن، لم يعد مجرد صراع بين باماكو والاسلاميين الاصوليين، بل هي حرب من اجل افشال جهود الجهاديين لتحويل مالي الى صومال جديدة، على ابواب سائر افريقيا واوروبا.

التدخل الدولي
ولكن لا بد من الانتظار، لمعرفة، ما اذا كان هذا التدخل الدولي، سيقود الى حل المشكلة، ام انه سيزيدها تعقيداً ويعقد ارتداداتها على كل المنطقة.
واذا كان الهدف الآخر، المعلن، لهذا التدخل، هو تفادي ان يقيم الارهاب الجهادي، قاعدة صلبة في مالي، فان السؤال اذا كانت العملية، ستقضي فعلاً على قواعد القاعدة في بلاد المغرب الاسلامية، وعلى حلفائها في مناطق الصحراء الشاسعة، الصعبة السيطرة؟
ويبقى انه من دون الاصلاحات التي يطالب بها الغرب، بلاد الربيع العربي ومن دون ازالة الفوارق التاريخية، التي دفعت الطوارق، الى التمرد على سلطة باماكو المركزية، وتسببت بالنواقص الديموقراطية التي جعلت الاستابلشمنت العسكري القوي في مالي، يفرض ذاته «صانعاً» للرؤساء، تبقى المشكلة قائمة.
والمشكلة الاساسية، ليست في معرفة كيف تنتهي الحروب، وانما في كيف بدأت ولماذا وهي، في اغلب الاحيان، نتيجة حلول سيئة لحروب سابقة، وما حصل في الصحراء والجزائر ومالي، هو كذلك نتيجة حروب انتهت في صورة سيئة.
وليست احداث مالي، اليوم، سوى نتيجة للحلول التي تلت سقوط ديكتاتورية القذافي، في ليبيا. وتركت الحلول بين ايدي امراء الحرب والميليشيات المسلحة، من دون ارادة صريحة، في بناء دولة ديموقراطية وجمع السلاح. وجاءت عملية القنصلية الاميركية في بنغازي وسائر الاعتداءات الامنية، لتدل على التقدم الذي حققه الاصوليون.
والامل هو في ان تكون حلول احداث مالي، استفادت من دروس الماضي، حتى لا ينتهي الصراع بالطرق الخاطئة التي نعرف، وتتحول مالي، ليس الى صومال جديدة، وانما الى افغانستان جديدة في افريقيا

 

جوزف صفير

العدد ٢٧٨٣ الاثنين١١ شباط (فبراير) ٢٠١٣ / ١ ربيع الثاني ١٤٣٤
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق